لورود ما يدل علىلتخصيص، فإذًا الصنعة المتعلقة بالمتن ليس كل أحد يرجع إليه فيها وليس كل أحد يقبل منه الكلام في متن الأحاديث، وهذا هو المحك وهذا هو المقصود؛ لأن علم الحديث رواية إنما يقصد منه مضمون الحديث ومعنى الحديث، ولذلك قال- صلى الله عليه وسلم -: (( رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) )وقال-عليه الصلاة السلام-: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) )فجعل صلب الأمر على متن الحديث.
إذا قال الإمام الترمذي أو غيره من الأئمة وعلى هذا الحديث العمل معناه عدة أمور:
إما أن يكون عمل العلماء-رحمهم الله- مجمعًا عليه فحينئذ يعبر بصيغة تدل على الإجماع فيدل على أنه انعقدت كلمة العلماء على العمل بهذا الحديث إجماعًا مثل حديث ابن مسعود كلهم مجمعون على العمل به.
تارة يقال: وعلى هذا الحديث العمل عند بعض أهل العلم، فهذا يدل على أن متن الحديث كما صح سندًا فإن هناك من يصححه متنًا ويعمل به، وبعض الأحيان يقال: وعلى هذا الحديث العمل عند أكثر أهل العلم فعندنا العمل بإجماع، وعندنا العمل بالأكثرية، وعندنا العمل من البعض إذا قال لك العمل بإجماع، فحينئذ لا إشكال مخالفة هذا الحديث شذوذ مخالفة للنص ومخالفة لسواد الأمة وإجماع الأمة: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} فقد شاق السنة وعصاها واتبع غير سبيل المؤمنين، هذا إذا كان العمل بالحديث مجمعًا عليه فلا يجوز أن يخرج إنسان عن هذا الإجماع، لماذا يقولون قد أجمع أهل العلم-رحمهم الله- على العمل بهذا الحديث؟ لو جاء شخص، وقال هذا الحديث لا أعمل به نقول: هذا شذوذ وضلال مبين؛ لأن الأمة أجمعت على العمل به، فائدة التنبيه على أن العمل بهذا الحديث مجمعًا عليه المنع من الشذوذ ومخالفة ما تضمنه هذا الحديث.
ثانيًا: إذا كان العمل بالأكثرية، وعلى هذا الحديث العمل عند أكثر أهل العلم نبهك على أن هناك من يخالف، وقد يكون هذا المخالف عنده دليل إما من كتاب وإما من سنة وإما من نظرٍ صحيح؛ لأنه لايصحح هذا الحديث، فقد يترك هذا الحديث لضعف سنده عنده فيجتهد، فيقول وعلى هذا الحديث العمل عند أكثر أهل العلم فتتنبه إلى أن هناك من يخالف، ولربما كان الحق مع المخالف إذا كان دليله أقوى وحجته أبين وأظهر وأصح.