فهرس الكتاب
وهناك جواب ثانٍ: أن حديث عبد الله بن زيد- t- يعتبر نوعًا من الأذان، وحديث أبي محذورة نوعٌ ثانٍ، فيعتبر من خلاف التنوع لا من خلاف التضاد، وأجاب بعض العلماء عن حديث أنس- t وأرضاه- أنه أجمل الشفعية، وحديث أبي محذورة بينها، وبناءً على ذلك: يقدم المبين المفصل على ما فيه مطلق الإجمال، فيترجح حديث الجمهور، فيجوز للمسلم إذا أذن أن يرجِّع ويجوز له أن يترك الترجيع، واختلف جمهور العلماء-رحمهم الله-: هل الأفضل أن يرجَّع أو يترك الترجيع؟. فاستحب الشافعي ومالك-رحمهما الله- الترجيع.
وقال الحنابلة باستحباب ترك الترجيع - وإن كان جائزًا في مذهبهم -.
والصحيح أن الأفضل أن لا يرجع؛ لأن حديث عبد الله بن زيد فيه ترك الترجيع، وهو الذي حوفظ عليه على زمان النبي- صلى الله عليه وسلم - ، وهو أذانه بالمدينة، وأذان أبي محذورة كان بمكة، وبناءً على ذلك: لا تعارض بين هذه الأحاديث، ويعتبر الترجيع سنةً عن النبي- صلى الله عليه وسلم - والأفضل تركه - كما ذكرنا -.
قال المصنف-رحمه الله-: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي وَجَدِّي جَمِيعًا عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم - أَقْعَدَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ الأَذَانَ حَرْفًا حَرْفًا قَالَ إِبْرَاهِيمُ مِثْلَ أَذَانِنَا قَالَ بِشْرٌ فَقُلْتُ لَهُ أَعِدْ عَلَيَّ فَوَصَفَ الأَذَانَ بِالتَّرْجِيعِ."
قَالَ أَبو عِيسَى-رحمه الله-: حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي الأَذَانِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَكَّةَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
الشرح:
تعليم النبي- صلى الله عليه وسلم - لأبي محذورة الأذان وقع بمكة حينما رجع النبي- صلى الله عليه وسلم - من غزوة حنين، وذلك في أواخر السنة الثامنة من هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم - ، وذلك أن أبا محذورة- t وأرضاه- سمع الأذان وكان على الكفر، فجعل يحكي الأذان كالمستهزئ في طائفة من أصحابه، فسمع النبي- صلى الله عليه وسلم - تأذينه فدعاهم رجلًا رجلًا، وأمرهم أن يعيدوا ألفاظهم حتى وقع على أبي محذورة، وفي بعض الروايات: أن النبي- صلى الله عليه وسلم - سألهم، فقالوا: هو أبو محذورة وأشاروا إليه وصدقوا، فأمره