ولا شك أن هذا قصور كبير وما أشبه حال هذا بحال المقلدة, وسوف يشعر بهذا القصور ولو بعد حين.
وبعد هذا التمهيد السريع عن أحوال بعض المتفقهة أنقل لك الآن الطريقة المثلى - إن شاء الله - للوصول إلى نيل الفقه وتحصيله.
فأقول: الشخص لا يخلو إما أن يكون له شيخ يفيد منه أو لا. فإن كان له شيخ: فمثله إن كان ذكيًا متفرغًا راغبًا في العلم فقد أدرك ضالته ونال بغيته وما عليه إلا أن ينتظم مع شيخه درسًا درسًا ليصل إلى أعلى درجات العلم والمعرفة، ولو أنفق في ذلك من عمره سنين، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. وكيف يدرس على هذا الشيخ؟ بل كيف ينتقي شيخًا إن كان في الشيوخ كثرة؟ هذا يحتاج إلى توضيح، وليس من غرضي هنا التحدث فيه.
ومثل هذا الشخص أمره هين وشأنه قريب، وإنما الشأن فيمن ليس عنده شيخ ويريد أن يترقى في سلم الفقه من خلال النظر في كتب العلماء ودراستها فهذا على حالتين:
الأولى: أن يكون عاميًا صرفًا، لا يحسن القراءة، ولا يفهم كلام أهل العلم، ولم يمض عليه أن درس أو تعلم، لا لغة ولا غيرها، فهذا دونه والعلم خرط القتاد وامتطاء الكوكب، ولو ظل بين الكتب سنين عَدَدًا، و هذا هو المراد بالكلمة المشهورة (من كان شيخه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه) [1] ، فإن أراد مثل هذا العلم فالسبيل الوحيد أمامه الشيخ المدرس وإلا فلا.
الثانية: أن يكون ذا فهم ودراية، وعنده مقدمات في العلم كأن يكون درس طرفًا من اللغة، وطرفًا من التاريخ، وتعلم القراءة تمامًا والإملاء والحساب، وطرفًا من العقيدة, والحديث, والتفسير, والفقه, والتجويد, [2] ويسمع المحاضرات والدروس, ويجالس طلاب العلم, وإذا نظر في شرح الحديث فهم المراد منه في الغالب وهذا مثله كثير من الشباب طلاب المدارس النظامية في الثانويات والكليات.
(1) وسمعت بعض أهل العلم يقول: إن هذه الكلمة من عبارات الصوفية، وأرادوا بها صرف الناس عن الكتب وربطهم بالمشايخ - زعموا-.
(2) وهذا إنما تلقوه من دراستهم النظامية. والدراسة المنتظمة هذه فيها خير كثير لاسيما الكليات الشرعية وكثير من أبناء هذه الدراسة ليسوا بالمستوى المطلوب والسبب أنهم درسوا ليحصلوا الشهادة (رخصة عمل) لا ليحصلوا العلم وشتان بين طالب علم وطالب شهادة.