فهرس الكتاب
".. كل إنسان ذو أخلاقية حرة، وهو مسؤول أمام الله عن أفكاره وأحكامه وأعماله.. والله يرشد الإنسان عن طريق الوحي إلى مبادئ أخلاقية عامة منبعثة عن إرادته الأبدية المقدسة. إلا أن في الإنسان قوة كامنة، إذ أن في استطاعته أن يتقبل هدى الله أو يتحول عنه. وهناك آية هامة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب 72] . لا يتحقق معناها إلا على أساس التسليم بالحرية الإنسانية، فقد عرض الله على جميع مخلوقاته مسؤولية المحافظة على الإيمان، وإدارة العالم باسم الله، فقبل الإنسان أن يحمل هذا العبء، على حين رفضته سائر المخلوقات خوفًا وإشفاقًا. ومع أن الإنسان لم يرع ذلك الإيمان، ولم يدر العالم إدارة ذات قيمة، وسلك مسلك الظلم والجهل، فإن في هذا سر عظمته وخطيئته جميعًا. فلو لم يكن الإنسان حرًا ما ارتكب الخطيئة، ولو لم يكن حرًا ما ساغ أن يحمل الأمانة" (2) .
".. لما تطور التشريع، وجد مبدأ يمكن أن يكون له القدرة على إخماد النزعات الاستبدادية لبعض الحكام أو الفقهاء، ذلك هو مبدأ الإجماع الذي يعتبر مظهرًا للإرادة العامة. وعلى الرغم من أن الإجماع، في نظر الدقة الفقهية، مقصور على ذوي الدراية من الفقهاء، إنه يحمل في طواياه بذرة مبدأ ديمقراطي، وكان له أحيانًا عند التطبيق.. أثر كبير في التعبير عن إجماع أعم من إجماع صفوة قليلة. أما ما يقع من الأفراد من إساءة استعمال للقوانين، أو من عثرات أخلاقية، فإن الإرادة العامة تقومه، أو من شأنها أن تقومه مع مرور الزمن" (3) .