من يستطيع أن ينكر قدرة الإسلام على تلبية مطالب الإنسان أيًا كان موقعه في الزمان أو المكان، وأية كانت درجة رقيّه وتحضره ؟ إنه إذ يخاطب ويخطط لعناصر الديمومة والاستمرار في كيان الإنسان، ونسيج العلاقات الاجتماعية، تلك العناصر التي تعلو على المتغيرات، بل تعمل من خلالها، بحضورها الأبدي، وتتجاوز عوامل التعرية والتآكل التي تأتي بالغناء عن الكثير من القيم والخبرات الموقوتة، إنه إذ يفعل هذا فكأنه يتجاوز معضلة"المرحلية"التي أسرت ولا تزال الكثير من المذاهب والأديان ورفعتها إلى الزوايا الضّيقة، فما لبثت حركة التاريخ أن تجاوزتها، أو أرغمتها على الانسحاب لأنها لم تكن تملك المرونة والانفتاح اللذين يمكناها من مواصلة التعامل مع الإنسان. لقد كان الإسلام، وسيظل، هو الأقدر من بين سائر المذاهب والممارسات، على تلبية حاجيات الإنسان وتطمين منازعه، وإننا بمجرد أن نتفحص سيل المنتمين إلى هذا الدين في القرن العشرين، وهم على ما هم عليه من تقدّم مشهود في السلّم الحضاري، جنبًا إلى جنب مع حشود المنتمين إليه في أماكن وأزمان شتى، وهم على ما هم عليه من تخلّف حضاري، يتبيّن لنا كم أن الإسلام قدير على تلبية مطالب الإنسان، دون أن يشكل انضواء الإنسان إليه أيّ ارتطام على الإطلاق بين حالته التاريخية أو الحضارية وبين الصيغ والخرائط التي يلزم الإسلام باعتمادها والاسترشاد بها عبر اجتيازه رحلة الحياة الدنيا.