ومن يستطيع أن ينكر أن الإسلام جاء لكي يهدي الإنسان ككيان بشري في كافة مكوناته وعلى قدر احتياجاته من غير زيادة أو نقصان، وأنه بينما جنحت المذاهب والنظريات صوب جانب فحسب من جوانب الكينونة البشرية: العقل، أو الروح، أو الغرائز، أو الجسد، أو الحسّ، أو الوجدان... إلى آخره، بينما عانت من التضخم والورم المرضي في هذا الجانب أو ذاك، وضمرت وغابت في جوانب أخرى، نجد الإسلام يتقدم بهندسته المعجزة لكي يتعامل مع الإنسان بمكوناته كافة، ولكي يكون حاضرًا عند كل صغيرة أو كبيرة في معاناته، أية كانت طبيعة هذه المعاناة عقلية أم روحية أم جسدية. وإذا كنا قبل قليل نتكلّم عن أن هذا الدين جاء لكي يكون رسالة السماء الأخيرة للأرض، فإنه سيكون من قبيل التناقض ألا يتضمن ميزة"التلاؤم"الكامل مع الإنسان، فإن الله سبحانه الذي هو أدرى بخلقه والذي يعرف من خلق، يعرف في الوقت نفسه المنهاج الذي يصلح للإنسان والذي يجيء موازيًا تمامًا لحجمه، ملائمًا تمامًا لدوره في الأرض؛ إن المؤمنين يعرفون هذا جيدًا، وهم يعيشونه صباح مساء، وعبر أربعة عشر قرنًا من الزمان كان المسلم وهو يتعامل مع دينه، مقتنعًا حتى النخاع بأنه واجد فيه الجواب على كل سؤال يطرحه، والحل لكل معضلة تجابهه، بل أنه واجد فيه التناسب الفذّ مع منازعه كإنسان، بحيث أن هذه العقيدة لم تنكمش يومًا تاركة إياه يتخبط في اجتهاداته الخاصة التي قد تخطئ وقد تصيب، ولم تتسع يومًا بأكثر مما يجب بحيث يعجز عن ملاحقة مطالبها وإدراك أبعادها الشاسعة، لقد كان المسلم يعرف دائمًا أن إحدى مزايا دينه هو هذا التلاؤم بينه وبين الإنسان، أما غير المسلمين فإنهم كثيرًا ما اختبروا هذا الجانب، فأكد لهم الاختبار صدق المقولة، وكان ذلك من بين عوامل وميزات أخرى، ما دفعهم إلى أن يقولوا كلمتهم فيه، بل أن يعلن بعضهم انتماءه إليه.