من يستطيع أن ينكر - كذلك - حركية هذا الدين، أو دايناميته الأبدية، قدرته على ملاحقة المتغيرات، استجابته للتحديات، حضوره الدائم في مواجهة الأحداث والخبرات؟ من يستطيع، رغم مرور الإسلام بفترات اختناق وتصلّب، طالت حينًا وقصرت أحيانًا، أن يقول بأنه ما استرجع قدرته على الفعل والحوار في أعقاب كل توقف، أو أنه فقد قدرته على الجدل إثر كل اختناق.
إن بمقدور المرء وهو يتفحّص هذا الدين أن يلمح في تركيبه خطين متوازيين كان وجودهما معًا بمثابة حماية لذاتية الإسلام، وتمكين له في الوقت نفسه من التحرك والانفتاح لكي يجابه سائر الحالات والمتغيرات ويستجيب لمختلف الخبرات والتحديات.
أما الخط الأول فيتمثل بعناصر الديمومة والثبات التي لا ينالها التغيير والتي تأبى على المتغيرات، بسبب من كونها حقائق أبدية تجابه حالات دائمة لا تخضع للتبدلات التاريخية والحضارية. وأما الخط الثاني فيتمثل بتلك الإمكانات المرنة التي منحها الإسلام أتباعه كي يجتهدوا أن يجابهوا بها المتغيرات ويستجيبوا للحالات المتجددة استنادًا إلى الأسس والعناصر الدائمة الثابتة. وهكذا يمضي الإسلام القرون تلو القرون وهو يحمل قدرته المزدوجة على حماية ذاته في مواجهة العالم، فيما لم تشهده أية عقيدة أو مذهب آخر، ويحمل مع هذه قدرته الأخرى على التكيف والملاءمة والاستجابة.
إن وحدة الدين والحياة ما تحققت يومًا ما كما تحققت في إطار هذا الدين، وإن ما قاله كبار الدارسين للإسلام من غير أبنائه يؤكد صموده للاختبار في هذا الجانب الحيوي وتفوقه فيه.