ثم تأتي الطبقة الثالثة، والأعلى مرتبة من الشهادات، متمثلة بمعطيات أولئك الذين انتموا فعلًا لهذا الدين، وقالوا كلمتهم في هذا الجانب أو ذاك من جوانبه، قبل انتمائهم أو بعده. إن هذه الشهادات تمثل سياقًا يحمل أهميته البالغة فيما نحن بصدده، لأنها تجيء بمثابة الدافع والشهادة في الوقت نفسه الدافع الذي قادهم إلى الإسلام، والشهادة على ما يتضمنه هذا الدين من قيم ومزايا لا تتوفر في المذاهب والعقائد الأخرى. إن هذا الانتماء ليعدّ بحد ذاته شهادة واقعية على صدق هذا الدين في تعامله مع الإنسان المتحضّر، وقدرته على الكسب والانتشار.
وسيتابع هذا الكتاب، بالقدر المناسب، والأنماط، أو الطبقات الثلاث من الشهادات، مانحًا الأولوية للطبقتين الأخيريين، خاصة وأن الطبقة الأولى قد حظيت بحشد غني من الكتاب، فضلًا عن أن أهميتها تنحصر في كونها تأكيدًا فحسب لصدق الوقائع والمعطيات وتحققها في الزمن والمكان.
أما الطبقتان الأخريان من الشهادات فتجيء بمثابة استنتاج، أو تقييد أو استنباط نقدي، تجاه هذا الجانب أو ذاك من بنية الإسلام والحياة الإسلامية وهذا - بلا ريب - يحمل قيمة أكبر بكثير، بل إنه هو الذي يمثل الشهادة المطلوبة هاهنا، لأنه يركز مقولاته في صيغة مبادئ وقيم وتوجهات شمولية، يحكم بها، أو يصوغ بعبارة أدق، الكثير من أوجه الإسلام والحياة الإسلامية. وهكذا سينصب الاختبار بالدرجة الأساسية على هذا النمط مع عدم إغفال النمط الآخر بالكلية.