الصفحة 18 من 29

وجاء البوء بمعنى الرجوع والتسوية والاستحقاق والغضب من الله هو إرادة الانتقام والمعنى أنهم استحقوا جميع ما تقدم لأجل أفعالهم وأشدها الكفر وهو الجهد بآياته وقتل الأنبياء، وقد أفاد قوله: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) أنهم تعهدوا قتلهم وهم يعلمون أنه ليس بحق فإن الذي يأتي بالباطل قد يكون يعتقد حقا لشبه قامت في نفسه لكن هؤلاء قتلوا الأنبياء وكانوا عالمين بقبح فعلهم وأنه ليس بحق ومع ذلك فقد فعلوه، فالتكرير المؤكد يقتضي هذا التخريج على أنه لو ذمهم على مجرد القتل لكان وقوعه بإرادة مبعث سؤالهم فكأنه نبه على أن القضاء عليهم من الله بحق وأن فعلهم ذلك باطل في حقيقة الأمر وفي اعتقادهم أيضًا، وهكذا جاء قوله بعد هذا وهو: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) تأكيدا بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول تبكيتا على الذنوب فكأنه لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين سبب استحقاقهم إياها فبدأ أولا بما فعلوه في حقه من جحدهم وكفرهم ثم بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم ثم ربعه بما يكون منهم من المعاصي المتعدية بالظلم، هذا وقد ذكر (الْحَقُّ) هنا بالتعريف وفي غير هذا الموضع نكرة فالمعروف هو الذي يعرف المسلمون من كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس حرمها الله فكأن المنكر جاء تأكيد العموم كأنه قال لم يكن هناك حق في قتلهم لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة.

ويقول الله في موضع آخر: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت