فهرس الكتاب
(ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى أخرهم ،قديمهم وحديثهم،مع اختلاف بلدانهم وزمانهم ،وتباعد ما بينهم في الديار ،وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار ،وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ،ونمط واحد ،يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ،ولا يميلون فيها ،قولهم في ذلك واحد ونقلهم واحد ،لا ترى بينهم اختلافا ،ولا تفرقا في شئ ما وان قل ،بل لو جمعت جميع ماجرى على ألسنتهم ،ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء من قلب واحد ،وجرى على لسان واحد ،وهل على الحق دليل أبين من هذا
قال الله تعالى:
(( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لو جدوا فيه اختلافا كثيرا ) )
وقال تعالى:
(( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) )
وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع ،رأيتهم متفرقين مختلفين ،أو شيعا وأحزابا،لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد،يبدع بعضهم بعضا ،بل يرتقون إلى التكفير ،يكفر الابن أباه،والرجل أخاه ،والجار جاره تراهم أبدا في تنازع وتباغض واختلاف ،تنقضي أعمارهم،ولما تتفق كلماتهم (( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) )
أو ما سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون منهم البصريين ،و البصريون منهم البغداديين ،ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي ابنه أبا هاشم ،وأصحاب أبي هاشم يكفرون أباه أبا علي .
وكذلك سائر رؤوسهم ،وأرباب المقالات منهم إذا تدبرت أقوالهم ،رأيتهم متفرقين ،يكفر بعضهم بعضا ،ويتبرأ بعضهم من بعض .
وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم ،وسائر المبتدعة بمثابتهم .وهل على الباطل دليل أظهر من هذا ،قال الله تعالى:
(( ان الذين فارقوا *دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ) )
وكان السبب في اتفاق أهل الحديث ،أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنه وطريق النقل فأورثهم الاتفاق والائتلاف .