فهرس الكتاب
ولقد أتاح المكان في هذا النص القصصي اقتناص تلك الوجوه الأثيرة لدى القاص المتواجدة في الأماكن المعزولة، بما تنطوي عليه من سحر، سامحًا للقاص خلق العديد من الإيقاعات البصرية في القصة، وبينها وجه المرأة الملثمة الذي يبصره الجندي وهو يعوم في إناء من اللبن"وجوه بدوية ملتحية تغطيها كوفيات حمراء البقع، وجوه قرمزية معلقة ومعصبة، وجوه شاحبة ونازفة، ووجوه جنود انتهت إجازاتهم، لمحها الجندي تقف في طرف من ساحة المحطة تحت مصباح، ورأسها الملثم يعوم في إناء كبير من اللبن، محاطة بالرؤوس القلقة".
وقد تثير هذه القراءة للنص القصصي، مسألة الرؤية التي أشرنا إليها سابقًا، وعما إذا كانت قد تغيرت بتغير المنهج الفني للقاص وعما إذا كان القاص قد عبر عن رؤية اليوتية لعصره. والواقع أن اللوحة الأولى والقطار على الشاشة والقاعة التي وصفناها بأنها واحدة من مدن حضارتنا الحديثة. تصبح في نهاية اللوحة مجرد شبح مخيف، فالجندي في القطار على الشاشة يغادر القطار لدى توقفه في محطة باحثًا عن الطعام فلا يجد لقمة واحدة، في حين يحصل الجندي وزوجته المشاهدين لقطار الفيلم على طعامهما بعد خروجهما من قاعة العرض. فضلًا عن أن الحوار الدائر بينهما يشير إلى ما ذكرناه، إذ يخرج الجندي مع زوجته التي تقول"إننا وحدنا نشاهد هذا القطار المجنون"فيجيبها هو
"ها هو ذا شارع حقيقي وحدائق آمنة".
فتقول المرأة:
"كأني كنت مقرفصة في سرادب. هنا أدفأ من الخارج".
إن القطار الحلمي المجنون على الشاشة، لم يكن سوى كابوس عابر، يجسد مخاوفنا من مستقبل غير آمن، بفعل موازين الرعب الذرية القائمة في عالمنا اليوم. مما يدفعنا إلى القول بأن واقعية القاص التي اتسمت بالكثير من ملامح الواقعية الفانتازية أو السحرية، تظل هي من حيث الرؤية والموقف، واقعية نقدية.