فهرس الكتاب
إن ما يدعم زعمنا بأن المؤلف ليس على دراية بهذا الأمر -بحيث يختلط لديه القص بالتمثيل والقصة بالمسرحة- كثير في القصة، وأول هذه الأدلة على ذلك، أن المؤلف يحيط الحوار في القصة بمشخصات مسرحية يضعها بين أقواس في العديد من صفحات القصة (28) . وهو بذلك يعيد إلى الأذهان الرواية الإيقاظية لسليمان فيضي، وما فيها من خلط بين الأنواع وأساليبها كما أسلفنا.
وما يؤكد هذا الزعم أن القصة الممسرحة هذه، تفتقر إلى الفضاء والمكان الروائي، وتدور أحداثها وفصولها في أماكن مسرحية ضيقة ومعزولة: غرفة صادق، وغرفة صفية، ومقهى، غرفة وزير، قاعة البرلمان. وقد استطاع الباحث الأمين بحساسيته النقدية، أن يلمس هذا الأمر، وإن كان لا يملك المصطلحات النقدية التي تسعفه آنذاك، وعلى الرغم من أن الأمين هو أول باحث درس القصة العراقية، وفي منتصف الخمسينات. وقد وصف الأمين ظاهرة انعدام المدى أو الفضاء نهائيًا في القصة بقوله وهو يتحدث عن الاستطراد في حديث الراوي عن فلسفة الحب في الفصل العاشر"وخلت الرواية، مرة واحدة من الاتساق بين فصولها ومظاهر الحياة الخارجية.. وكان الفصل. ككل فصل في الرواية غرفة ذات أربعة جدران، ليس فيها أكثر من شخصين يتحدثان، وذلك مما يقلل من أهمية القصة ويوهن عامل التشويق في قراءتها".
ومن مظاهر المسرحة أيضًا، أن المكان المسرحي الضيق نفسه، لا يحظى بوصف تفصيلي روائي، بل يأتي هذا الوصف باهتًا ومسرحيًا أيضًا، فإذا ما وصف الراوي المكان قال"وإذا منزل يدل على جاه وسعة، وإذا غرفتها ومكتبتها، أنيقة مزينة بأثاث فاخر وصور فنية مختارة" (29) .