فهرس الكتاب
وقد ينشأ اعتراض مفاده أن الرواية الدرامية تتميز بضيق المكان، وأن في المكان الضيق، والضيق وحده ينشأ الصراع. ولكن الأعمال القصصية والروائية التي تنتمي إلى هذا اللون لا تقول ذلك، فالمكان في"الشيخ والبحر"لهمنغواي، هو البحر على سعته، وهو كذلك في (موبي ديك) لملفيل، وهو فضاء مدينة القاهرة في"اللص والكلاب"لنجيب محفوظ على سبيل المثال، إن ضيق المكان في الرواية يعني أن"المنظر لا يكاد يتغير، أي لا فرار منه، وسبب عزل المنظر في الرواية الدرامية واضح جدًا، ففي المساحة المغلقة وحدها يمكن للصراع أن ينشأ وينمو وينتهي في حتمية" (30) ."
على أن عدم إدراك المؤلف للأساليب ووظائفها ودلالاتها، يتضح في مسألة هي أكثر أهمية وأكثر خطورة من كل ما ذكرناه، ويتجلى ذلك في التناقض البيّن، بين المنهج الموضوعي أو الدراما وبين الراوي كلي العلم المقتحم للقصة، والذي تتميز رؤيته الداخلية للشخصيات بأنها ذات نفاذ عميق في داخل الشخصيات، وامتيازات عريضة لا يقرها القص الحديث.
بينما المفروض أن يختص الراوي في الدراما أو المنهج الموضوعي، وهو أمر معروف منذ أفلاطون وأرسطو اللذين تحدثا عن الفرق بين السرد والتمثيل وعن ظاهرة الأصوات فيهما (31) .
وفي مشهد من مشاهد القصة نقف على هذه الرؤية النافذة للراوي، عندما يقول عن صفية، ناسجًا كلامها في كلامه"فلتقل له تلك الكلمة الخالدة البليغة.."أحبك"ولئن كانت العادة أن الرجل هو الذي يبدأ الضرب على هذا الوتر.. فلأن المرأة ضعيفة، وهي لا تعترف بهذا الضعف ولا تحسه في نفسها."