لقد كان لتجاوز مجموعة من النقاد العراقيين (شجاع مسلم العاني، فاضل ثامر، مالك المطلبي، حاتم الصقر، باقر محمد جاسم وغيرهم من الجيل السابق) وذلك بتبنيهم بعض هذه المقاربات الحديثة، وإفادتهم (ولو على نحو مجزوء) من الأجهزة المفاهيمية التي دشنتها البنيوية، والسيميولوجيا، وعلم الدلالة، وتطبيقها على نحو واسع في مجالات الأدب العراقي، كان له الدور الأكبر في منح الجيل اللاحق نوعًا من الشرعية، ودفعهم إلى تبني هذه المناهج والتزامها وأفضى (وإن بشكل مختلس) إلى منح هذه المقاربات نوعًا من الصلاحية والملائمة التي أدت إلى انتشارها وتداولها. لقد وقف النقد العراقي التقليدي أواسط الثمانينات، في واقع الأمر، مندهشًا أمام الموجة التي تجاوزته بما لا يقاس، موجة النقد الجديد القادمة من بلدان المغرب العربي في مجالات شتى، وبدراسات تستخدم لغة حديثة، ونظرًا طرائقيًا حديثًا، ومصطلحًا وتركيبًا، كان غريبًا وجذابًا في آن واحد، على النخبة العراقية المثقفة، وكانت الدعوة لتبنيها شبيهة بالدعوة التي أطلقتها النخبة العراقية (وهم جمهور الأفندية في الربع الأول من القرن العشرين) لتبني دعوة (الأدب العصري) التي جاءتهم بها مجلات المقتطف والهلال والمقطم من القاهرة، ومثلما كان النقد العراقي أوانذاك منشغلًا بالشروح الفقهية، ودائرة التأليفات اللغوية كان في الثمانينات منشغلًا بالمقاربات السيوسيوتاريخية، والأيديولوجية، والماركسية، والوجودية، ومثلما كان المثقفون في المراكز العلمية والدينية (في النجف، والحيدرخانة) منشغلين بالأيديولوجيا المؤسسة للنصوص، كان النقد في العراق يتبنى بشكل جذري التحليل المضموني للنصوص، وهو النقد الذي يستجيب لحاجات أيديولوجية وأخلاقية أكثر من استجاباته إلى الحاجات الفنية والتقنية والجمالية.