وقد ساهم هذا المسعى بتطور خلاق للسوسيوثقافي العربي، وإنتاج خطاب معزول عن الخطاب الأول، خطاب خاضع لمشكلاته، خاضع لعلاقاته، ولانتظامه الداخلي حيث ترافق هذه العملية نقل طرائق الإنتاج الأدبي، والفكري، والفلسفي العربي بواسطة الترجمات، والمبعوثين، وإعادة الإنتاج الغربي داخل الثقافة العربية، لقد كان لهذه التمثيلات الخطابية الثقافية، تركيز أكبر على ذاتها، وذلك بسبب خضوع صلتها مع ثقافة الآخر إلى التداعيات السياسية والأيديولوجية، وبسبب اقترانها بعلاقة صراع وإخضاع، مع المنتج الأصلي ولذلك عمدت على إخضاع العلاقة المباشرة بين الخطاب الأيديولوجي الحقيقي الذي ساهم بنشأتها وظهورها، وهي الشبكة الخطابية التي تربط بين خطاب القوة والسلطة (على حد تعبير إدورد سعيد) وبين حقول المعرفة الخالصة، الحقول العلمية التي تتمظهر بشكل مستقل عن لحظة الإنتاج الحقيقية، والغائية المباشرة لهذا الإنتاج، وفي الواقع لم تكن بغداد يومًا من الأيام (إلا إذا استثنينا موجة الشعر الحر) واحدة من هذه المراكز المولدة للثقافة العربية، إنما كانت تستقبل الثقافة القادمة من المراكز الثقافية العربية، وتعيد إنتاجها بشكل ممتاز، هذه المراكز التي كانت على التعاقب (القاهرة، بيروت، الرباط) .
لقد كانت القاهرة منذ القرن التاسع عشر حتى أواسط الخمسينيات، هي متروبول الثقافة العربية بلا منازع، وكانت تقوم بدور الوسيط بين ثقافتين -الغربية والعربية- ففي القاهرة يتم منذ ذاك الحين إنتاج الثقافة الغربية، ثقافة النهضة وعصر الأنوار، الثقافة الإنسانوية، العلمانية، والطرائق العلمية والابستمولوجية، والثقافة الاستشراقية، ومن ثم يتم ترحيلها إلى الثقافة العربية.