وإذا كان الانتقال إلى بيروت التي تحولت إلى متروبول ثقافي ثانٍ في الثقافة العربية، هو نوع من الاختيار الملزم والضروري، ولا سيما انتقال التأثر من فضيحة عصر الأنوار إلى الخطاب الذي دشن المشروع النقدي لفلسفة عصر الأنوار، وهو الخطاب النقدي لـ (نيتشه، فرويد، ماركس) في الواقع لم تستقل الثقافة العربية بإنتاج نموذج نقدي للثقافة الغربية خاصة بها إلى اليوم، إنما كانت تدشن مشاريعها النقدية للتمركز اللوغوسي الغربي، عبر استعارة الجهاز المفاهيمي والاصطلاحي الغربي في المركز اللوغوسي الغربي ذاته، ومن ثم تقوم بترحيله إلى الثقافة العربية مفلترًا، عبر وسائلها وأجهزتها، ومما لا شك فيه ظهر داخل النقد العربي نوع من الاهتمام والعناية بالنص، وتقنياته والتي كانت في الغالب مستعارة من النقد الأنغلوسكسوني، إلا أن هذا النوع من النقد لم يظهر بشكل فعال داخل النقد العراقي على الإطلاق، وكان انتقال مركز الثقافة العربية إلى شمال المغرب العربي، أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات بعد الحرب الأهلية في بيروت، هو الذي أنعش بعض آليات النقد الأنغلوسكسوني داخل الأكاديميات العراقية وبذر البذور الأولى لنشأة النقد البنيوي، لمجموعة من المقالات النقدية التي تضطلع بمهمتين في آن واحد. 1- تأسيس منظومة المفاهيم وتفسيرها 2- تطبيق هذه المفاهيم على النصوص وبمساعدة الترجمات، والدراسات اللسانية، والبنيوية والسيميائية.