ثانيًا: إن من جملة الأسباب التي جعلت النقد العراقي يرتاب بالنقد البنيوي هو أن هذا النوع الجديد القادم من شمال المغرب العربي يستبعد من موضوعه كل اعتبار حول قصد العمل، ويزيح أية علاقة بين النص والقيم السوسيولوجية المنتجة له، ويستند هذا النقد إلى نوع من إعادة الترتيب، والتنظيم للعناصر المؤلفة للنص، بعيدًا عن الأيديولوجيا التي تحكمه، أنه يحيا عبر علاقة تأثير وغائية ينحو به إلى أن يكون شيئًا وغرضًا، وينزله إلى مستوى المعرفة المجملة للكائن البشري، ولا يؤوله إلا بتقنياته، ولا يفسره إلا بسياقه النحوي، لا بسياقه التاريخي وبدلالته القائمة على علاقات الشكل، لا بمضمونه الأيديولوجي، إنه مفهوم المجال الذي يستبعد كل ضرورة كامنة خارج العلاقات المكونة لنص.
لقد كان المثقفون العراقيون يتعرضون لإغراء اليوتوبيا، وخلق عالم خال من المأساة، وكانوا يحاولون إيجاد مشروع روحي وفكري يساهم بإنقاذ العالم من المأساة، وهي الأسطورة الرومانطقية التي تناقلت بيد الورثة جيلًا بعد جيل، لذا عانى النقد البنيوي عقابًا مروعًا، ونبذًا، وطردًا على الدوام ولم يستطع أن يثبت إلا في التسعينيات، وكان د. شجاع مسلم العاني واحدًا ممن أرسوا دعائم هذا النقد، ويعد واحدًا من أهم نقادنا المعاصرين، وفي هذه المجموعة من المقالات التي أطلق عليها (دراسات في الأدب والنقد) يواصل مسيرته بشكل دؤوب وحاذق وملتزم، وقد حاول إثبات نموذج من التعديل المستمر، على المناهج وأجهزتها الصارمة، حاول أن يجد نوعًا من الحكمة الموزونة، والتفاهم المفترض بين النص وما يدلل عليه، وبين المنتج والقارئ، لذلك تحقق مقالاته على الدوام نوعًا من الانتشار والتداول، ومعاينة نوع من السلطة الأخلاقية والروحية، التي تمثل دور الإلهام وهو الدور الذي اضطلع به كل المثقفين الحقيقيين وعلى مدى التاريخ.
علي بدر
في الشعر الحديث
بنية التجاور والانقطاع في قصيدة الحداثة