فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 335

لقد عدّ القاص المصري ادوار الخراط ما في قصص يحيى الطاهر عبد الله من نزوع إلى التعليم تغريبًا وعدّ هذا التغريب نابيًا ويجور على أثمن ما في موهبة القاص، قائلًا:"وسوف يعود الكاتب.. إلى الأسلوب التبعيدي والواقعي (البريختي ربما) في أغنية العاشق إيليا" (9) . والقارئ لقصص عبد الله يجد فيها فعلًا هذا التبعيد البريختي الماثل في أسلوب القاص ولغته الشعرية، وفي أساليب التكرار لديه، إلا أن القص الواقعي حافل أيضًا بالتعليم، ويكفي أن نقرأ أي قصة من قصص يوسف إدريس لنرى كيف تتحول إلى دراسة تشريحية لجسد الشخصية أو دراسة سيكولوجية للنفس البشرية، وقلّ مثل ذلك على القاصة العراقية لطفية الدليمي، التي تتحول لديها أحيانًا، الفكرة المجردة إلى أحداث وشخصيات ومعادلات خيالية ذات طابع مجازي، وقد عمدت إلى ذكر القاصين لكون التعليم لديهما يأتي مندغمًا في النسيج الفني، غير ناب، ولا يتحول إلى وعظ ممل، بل ويشد القارئ أحيانًا (10) .

على أننا قد نجد عند إدريس بعض القصص التي يتحول التعليم فيها إلى منحى تبعيدي بريختي واضح دون أن يكتمل، إذ يعمد القاص إلى تأكيد الإيهام لا نفيه كما هو الأمر في قصة (أكان لا بد يالي لي أن تضيء النور) ، فالراوي يخبرنا بأنه يروي لنا نكتة، وهو ظاهر وبائن للقارئ، ولكنه لا يلبث أن يخبرنا بأن النكتة (واقعة حدثت) ليعيدنا إلى الإيهام بالواقع بعد أن أبعدنا عنه، يقول الراوي:"في البدء كانت النكتة وفي النهاية ربما أيضًا تكون. والنكتة في النكتة أنها ليست نكتة، ولكنها واقعة حدثت لأهل النكتة، صناعها المهرة، رواتها العتاة" (10) . ومن المعروف أن القص التقليدي الكلاسيكي. يلجأ إلى تأكيد الإيهام بوسائل كهذه، إذ يخبرنا الراوي بأنه سمع ما يقصه علينا من راو آخر، أو أنه وجد ما يقصه علينا في مذكرات خاصة لشخص ما (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت