فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 335

ومثال التبعيد القائم على التعليم، وعلى منهج فني واعٍ وعلى قصدية واضحة ما فعله القاص أحمد المديني في روايته"وردة للوقت المغربي"ففيها يقدم الراوي مروية عن منظورات متعددة، تليها رواية للحدث باسم المؤلف نفسه، مذيل بعبارة حصرت بين معقوفتين هي:"وهو غير المؤلف" (12) والمعروف أن النقد الكلاسيكي لم يكن يميز بين الراوي الذي هو كائن من ورق وبين المؤلف وهو ذات إنسانية حقيقية، إلا أن البحث الفلسفي الحديث، أسفر عن وجود ذات معرفية لا تختلف مع الذات الواقعية حسب، بل وقد تتناقض معها، كما أسفر النقد الحديث، عن أن الراوي هو ليس المؤلف، بل الذات الثانية للمؤلف كما أوضح الناقد واين بوث. إن وضع مثل هذه العبارة أمام عيني القارئ الذي اعتاد على استهلاك أنماط قصصية ونقدية تقليدية، من شأنه أن يهز قناعات هذا القارئ ويخلخلها، مباعدًا بين القارئ وبين النص، ومانعًا إياه من الاندماج بشخصياته وأحداثه، ومفيضًا الطريق أمام أنساق ثقافية جديدة ليسلكها القارئ!

إذا كان القاص الكلاسيكي يعمد إلى تأكيد الإيهام في صدر أو مقدمة القصة، فإن القصاصين الجدد يعمدون إلى تصدير نصوصهم القصصية بما ينفي الإيهام ويؤكد للقارئ إنه إزاء عمل فني خيالي لا صلة له بالواقع، كما فعل الروائي جبرا إبراهيم جبرا في البحث عن وليد مسعود بين أشخاصها وأسمائهم وبين أناس حقيقيين أو أسمائهم، فلن يكون ذلك إلا من محض الصدفة وخاليًا من كل قصد" (13) ، ويعد هذا التبعيد من أبسط الأنواع، ذلك أن القارئ ما إن يتجاوز الملاحظة -العتبة هذه حتى يقع أسير الإيهام، إذ ليس ثمة ما يمنع القارئ من التماهي مع شخصيات الرواية."

وربما أراد الروائي أن يناهض الأفكار الواقعية عن الرواية، التي تقول بأن عالمها يفيض ويتداخل مع العالم الواقعي، مقتبسًا مثل هذا التغريب من بعض الكتاب الإنجليز الذين عرفوا به كـ"جون فاولز"وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت