فهرس الكتاب
وأعمق من هذا التغريب أو التبعيد، أن يكون الإعلان عن خيالية العمل ولا واقعيته صادرًا عن الراوي وفي المروي نفسه، كما فعل القاص محمد خضير في واحدة من أفضل قصصه عن الحرب. وعلى وفق هذا التغريب البريختي، فإن الراوي يعلن في بدء مرويه مخاطبًا القارئ بأنه إنما يقرأ حكاية:"لكل مساءٍ حكاية، حكاية واحدة في أول المساء.." (14) . ويواصل الراوي حكايته الخاصة بالتناوب مع الحكاية الخرافية التي ترويها الجدة أم عباس لعائلة الجندي الغائب، والتي تنتهي بموت بطلها إرهاصًا بموت الجندي الغائب- الحاضر في القصة. ولكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد، إذ يعود صوت الراوي ليرتفع من جديد وبصورة أشد وضوحًا، مخاطبًا القارئ بكلمات هي أقرب ما تكون إلى مقطع من قصيدة نثر:
"في الظلام يأتي المختلس الزاني"
في الظلام يأتي الميت المصاب في القلب بشظية
في الظلام يأتي الحلم الدموي.
(من يود الاحتجاج؟ من يود السخرية؟ من يود الانتظار حتى المساء التالي، لسماع حكاية أخرى أمام الموقد؟) (15) .
إن اقتحام الراوي لمرويه بمثل هذه الغنائية والخطابية، في هذه القصة وغيرها من قصص الكاتب هو ما جعل بعض النقاد العرب عاجزين عن فهم إبداع القاص وتقنياته الجديدة (16) .
وواضح أن مثل هذا التبعيد من شأنه أن يفتتح النص القصصي الموضوعي على الغنائي، هذا فضلًا عن أشكال التغريب الأخرى لدى محمد خضير، والتي من أبسط أشكالها استخدام مفردات وألفاظ غير عربية تلفت انتباه القارئ وتغريه لما فيها من غرائبية كما هو الأمر مع مفردة"بصرياثا"التي استخدمها القاص لأكثر من مرة، سيما في نصه الكبير المفتوح""بصرياثا"و"طيبوثة"في تاج لطيبوثة، وهما مفردتان آراميتان من شأنهما أن تدفعا القارئ إلى التفكير وتبعده عن الإيهام."