فهرس الكتاب
فإما أن يكذبوا بالأمر وهذا محال لوقوعه بين الناس، وإما أن يكذبوا أئمتهم وينسبوا الخطأ إليهم، وهذا ينسف عقيدتهم التي أصلوها فيهم من علمهم للغيب.
فكان أن أحدثوا عقيدة البداء. فإذا وقع الأمر على خلاف ما قاله الإمام قالوا: بد لله كذا، أي أن الله قد غير أمره.
ولكن الشيعة الإمامية وقعت في شر أعمالها، فهي أرادت أن تنزه إمامها عن الخلف في الوعد وعن الكذب في الحديث، فاتهمت ربها من حيث تشعر أو لا تشعر بالجهل!.
فقد جاء في البحار عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: (يا أبا حمزة إن حدثناك عن بأمر أنه يجيء من هاهنا فجاء من هاهنا، فإن الله يصنع ما يشاء، وإن حدثناك اليوم بحديث وحدثناك غدًا بخلافه فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت) [بحار الأنوار: 4/ 119، وتفسير العياشي: 2/ 217] .
قلت: هذه رويات نسجوها على لسان أبي جعفر وأبي عبد الله وهما منها براء. والمقصد بيناه آنفًا. ولقد كان بعض شيوخ الشيعة الإمامية في إحدى الفترات يمنون شيعتهم بأن الأمر سيعود إليهم والغلبة ستكون لهم ولدولتهم بعد سبعين سنة، ولما انقضت تلك المدة ولما يتحقق من ذلك شيء، لجاءوا إلى البداء وقالوا قد بدا لله سبحانه!. [انظر: تفسير العياشي: 2/ 218، والغيبة للطوسي: ص263] .
ثم لما رأت الشيعة الإمامية ممثلة في مشايخها أن هذه العقيدة قد تجلب الشناعة على مذهبهم، نسجوا رويات أخرى تحدث أن البداء قد منع الأئمة من التحديث بما سيكون من الأمور المستقبلة. فهاهم يزعمون أن علي بن الحسين يقول: (لولا البداء لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة) [تفسير العياشي: 2/ 215، وبحار الأنوار: 4/ 118] . إذا المانع للأئمة من التحديث بأخبار الغيب هو خوفهم من أن يبدوا لله أمرًا آخر بخلاف ما حدثوا به!. وهذا كله مهرب من التحديث بأمر لا يعلمه إلا الله، وهو علم الغيب الذي أخبر الله في مواضع كثيرة من كتابه أن الغيب لا يعلمه إلا هو. فما للشيعة لا يفقهون حديثًا.
ثمة أمر لابد من الإشارة إليه وهو يقطع الطريق على الشيعة الإمامية وهو أن بعض مشايخة الشيعة الإمامية قد يوهم الناس بأن البداء كالنسخ الذي أخبر الله عنه في كتابه أو أنه هو. وليس كذلك، فالنسخ ليس هو ظهور أمر جديد لله، بل الله عالم بالأمر المنسوخ والأمر الناسخ، ولكن الله يأمر بأمر في وقت من الأوقات يناسب الحال وقت ذاك، ثم ينسخه بأمر معلوم عنده في الأزل. أما البداء فهو أن الله يظهر له أمر جديد لم يكن يعلمه في السابق، وبين النسخ والبداء كما بين السماء والأرض، وأين هذا من هذا؟.