الصفحة 62 من 106

قلت وفي العبارة الأخيرة: (إنه كلام الله عز وجل) بيان ما عليه السلف أهل السنة والجماعة.

وأما روايات متأخري الشيعة الإمامية فقد جاءت على عكس ما عُهد عن آل البيت، فقد عقد المجلسي في البحار بابًا بعنوان: (باب: أن القرآن مخلوق) [بحار الأنوار: 92/ 117 - 121] . وساق فيه روايات كثيرة، ومعظمها تخالف ما عنون له، ولكن للشيعة الإمامية تأويل في معنى القول بخلق القرآن وسوف يأتي.

ومما يثبت نسبة هذه المسألة إلى الشيعة، ما ذهب إليه آية الشيعة محسن الأمين حيث قال: (قالت الشيعة والمعتزلة القرآن مخلوق) [أعيان الشيعة: 1/ 461] . بل جعل الكلام الذي كُلم به موسى ليس من الله بل من الشجرة! وهذا هو عين ما تذهب إليه المعتزلة، فقال محسن الأمين: ( ... يوجد الكلام في بعض مخلوقاته كالشجرة حين كلم موسى، وكجبريل حين أنزله الله بالقرآن) [أعيان الشيعة: 1/ 453] .

ومع هذا ومع ثبوت نسبة هذه المقالة عن الشيعة الإمامية إلا أن ابن بابويه القمي حاول أن يجد عذرًا لمن قال بأنه مخلوق، حيث نهج في هذا مسلكان:

الأول: جعل معنى مخلوق أي: مكذوب. قال: (وإنما امتنعنا من إطلاق المخلوق عليه لأن المخلوق في اللغة قد يكون مكذوبًا، ويقال: كلام الله مخلوق أي مكذوب) [التوحيد: 225، وكذا البحار: 92/ 119] . قلت: محاولة التأويل هذه يردها الاختلاف الكبير الذي حصل بين أهل السنة والجماعة (السلف) ، وبين المعتزلة والجهمية حول هذه المسألة وهي معروفة ومشهورة.

والثاني: جعل هذه المقالة من باب التقية، فقد نقل آيتهم البرو جردي في كتابه تفسير الصراط المستقيم (1/ 304) عن ابن بابويه قوله: (ولعل المنع من إطلاق الخلق على القرآن إما للتقية مماشاة للعامة، أو كونه موهمًا لمعنى آخر .. ) .

قلت: هذه من المسائل المستشنعة التي تفوه بها المعتزلة والجهمية قبلهم، وتابعهم عليها الشيعة الإمامية، وحقيقتها نفي صفة الكلام لله، والله سبحانه يتكلم كيف شاء متى شاء حيث شاء، ونفي هذه الصفة أعني صفة الكلام، فيه نسبة النقص إلى الله. فإن المخلوق الأخرس ناقص الخلقة، والله جل في علاه - وله المثل الأعلى - تنزه عن المشابهة وهو الكامل المنزه من كل نقص وعيب. ثم إن نفي كون القرآن كلام الله، يلزم منه عدم قدسية القرآن ويؤدي إلى إهمال نصوصه لكونه مخلوقًا كأحد مخلوقاته وليس كلامه!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت