الصفحة 79 من 106

جعفر قد جاء به حديث غير معمول به، ولا مرضي الإسناد، والأخبار الصحيحة بخلافه، وليس يعرف من لغة العرب أن العلم بالشي هو خلق له) [شرح عقائد الصدوق: ص12] .

والمفيد نفسه يقول بخلق أفعال العباد وأنهم خالقون لها ولكنه لا يطلق عليهالفظ الخلق، بل يسلك بها مسلكًا آخر، فاختلفت الألفاظ واتفقت المعاني، والعبرة بالمعاني لا بالمباني، فقال: (أقول إن الخلق يفعلون، ويحدثون، ويخترعون، ويصنعون، ويكتسبون ولا أطلق القول عليهم بأنهم يخلقون ولاهم خالقون، ولا أتعدى ذكر ذلك فيما ذكره الله تعالى ولا أتجاوز به مواضع القرآن وعلى هذا القول إجماع الإمامية والزيدية .... ) [أوائل المقالات: ص 25] .

قلت: يعتقد المفيد إنه تابع أهل السنة والجماعة في عدم إطلاق لفظ الخلق على أفعال العباد، ولكن المعنى الذي ذهب إليه لا يساعده، والإجماع الذي ذكره لم يستمر على حال، بل بانت عقيدة المعتزلة في القدر في عبارات بعض شيوخ الشيعة الإمامية، فقد عقد الحر العاملي بابًا في الفصول المهمة في أصول الأئمة [ص 80] وسماه: (باب أن الله سبحانه خالق كل شيء إلا أفعال العباد) ، وقال: (أقول مذهب الإمامية والمعتزلة أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها) [الفصول المهمة ... ص 81] . وذهب إلى مثل هذا شيخهم الطبطبائي في مجالس الموحدين في بيان أصول الدين [ص21] فقال: (ذهب الإمامية والمعتزلة إلى أن أفعال العباد وحركاتهم واقعة بقدرتهم واختيارهم فهم خالقون لها ... ) .

قلت: كتب الحديث لدى الشيعة الإمامية تخالف كثيرًا ما ذهب إليه مشائخهم في القول بخلق أفعال العباد، وسوف نعرض لبعض الروايات التي وردت في كتب الحديث عندهم لبيان مخالفة مشائخهم لما قال به علماء آل البيت.

-قال أبو جعفر وأبو عبد الله: إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب، ثم يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد أمرًا فلا يكن، قال: فسئلا عليهما السلام هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قال: نعم أوسع ما بين السماء والأرض) [أصول الكافي: 1/ 159] .

-وقال أبو عبد الله: (إنك لتسأل عن كلام أهل القدر وما هو من ديني ولا دين آبائي، ولا وجدت أحدًا من أهل بيتي يقول به) [بحار الأنوار: 5/ 56، والبرهان: 1/ 398] .

-وقال أبو عبد الله: (ويح القدرية أما يقرأون هذه الآية {إلا امرأته قدرناها من الغابرين} ويحهم من قدرها إلا الله تبارك وتعالى) [بحار الأنوار: 5/ 56] .

-وقبل أن أختم هذا المبحث أجدني مضطرًا إلى أن أسوق معنى نفيسًا ذكره المظفر في عقائد الإمامية [ص67 - 68] فقال: (أن أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن أسبابها الطبيعية، وهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت