الصفحة 90 من 106

والجبابرة من بني أمية، ولما انقضت تلك المدة ولم يظهر -ولن يظهر-، أظهروا مقولة بأنه سوف يظهر ولو عُمر عمر نوح، فيقول شاعرهم:

لو غاب عنا عمر نوح أيقنت ... منا النفوس بأنه سيؤوب

إني لأرجوه وآمله كما ... قد كان يأمل يوسفا يعقوب

وهكذا كل فرقة إذا مات إمامها تدعي بأنه غائب مدة كذا وسيعود!، ولهم في ذلك خلاف كبير، ولذلك قال السمعاني: (ثم إنهم في انتظارهم الإمام الذي انتظروه مختلفون اختلافًا يلوح عليه حمق بليغ) [الأنساب: 1/ 345] .

والجارودية من الزيدية لم تسلم من هذا الاتجاه بل تاهت فيه كما تاهت فيه من قبلها من الفرق الشيعية. ومن الملاحظ أن عودة الإمام من غيبته عند فرق الشيعة عامة ارتبطت بشخصيات لها وجود ومعروفة، ولكن هل هذا هو نفس الاتجاه لدى الشيعة الإمامية الاثني عشرية؟

يتبين هذا بمعرفة نشأة فكرة الغيبة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية.

ونشأة هذه الغيبة، أنه لما مات الحسن -وهو الإمام الحادي عشر للشيعة الإمامية-، لم يكن له خلف ولم يعقب، واقتسم ميراثه أخوه جعفر وأمه. [انظر: المقالات والفرق: ص102، وفرق الشيعة: ص 96] . وكتب الشيعة تعترف بهذا!.

ولما وقع هذا الأمر احتارت الشيعة في أمرها وافترقت إلى فرق كثيرة وصلت إلى أربع عشرة أو خمس عشرة [كما يينقل ذلك النوبختي في في فرق الشيعة: ص96، والقمي في المقالات والفرق: ص102] . بل إن الأمر زاد عن ذلك حتى وصل إلى عشرين فرقة.

وحقيقة الأمر إن موت الحسن -الإمام الحادي عشر-، كاد أن يقوض عروش عقيدة الإمامية الاثني عشرية. لإن الإمامية الاثني عشرية تذهب إلى أن الأرض لو بقيت بغير إمام لساخت [انظر: أصول الكافي: 1/ 188] . فالإمام أمان لأهل الأرض وهو الحجة على أهل الأرض، ولا دين بدون إمام!.

وكان من أثر ذلك ان افترقوا، ففرقة ذهبت إلى القول بغيبة الحسن العسكري، وفرقة ذهبت إلى إمامة جعفرمن بعده، وفرقة أبطلت إمامة الحسن لأنه مات عقيمًا. وفرقة قالت بأن للحسن العسكري ولدًا (كان قد أخفي مولده، وستر أمره لصعوبة الوقت وشدة طلب السلطان له ... فلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته) [المفيد/ الإرشاد: ص 389] . وفرقة ذهبت بانقطاع الإمامة ووقوفها عند الحسن العسكري وكثير من هؤلاء بان لهم زيف هذه العقيدة ورجعوا عما هم فيه ... الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت