فهرس الكتاب
العظيمة في الدنيا والآخرة، ولا ينبغي للمؤمن أن يتمنى شيئًا من الدنيا أعطيه الآخرين إلا ما كان عونًا على الطاعة؛ حبًا في عبادة الله، والمزيد منها دون أن يتمنى أن تزول من أخيه فهو يحب أن تنشر عبادة الله في الأرض، ويحب أن تظهر طاعته في الناس؛ فكيف يتمنى زوال مثل هذه النعمة عن أخيه؟! قال تعالى في أمر العطاء الدنيوي: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ} [النساء:32] ، وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللّه مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها للناس» متفق عليه، وفي حديث آخر: «رجل آتاه اللّه القرآن» ، وفي رواية: «علمًا» ، فهذه الأحاديث معناها الغبطة وهو أن يتمنى لنفسه مثل ما لأخيه دون تمنى زوال ما عند أخيه، وهذه الغبطة نفاها رسول الله صلي الله عليه وسلم أي نفي مشروعيتها إلا من العلم النافع والمال المنفق في الحق فهي إذًا غير مشروعة في غير ذلك من متاع الدنيا، حتى ولو كان لا يتمنى زوال النعمة عن أخيه فلا يشرع مثلًا أن يتمنى دارًا أو سيارة أو مالًا يستمتع به في الدنيا مثل ما لأخيه بل الأولى ترك ذلك، وتمنيه مكروه إلا في الطاعة والدين، والغبطة والتنافس في الدين لا يؤدي إلى بغضاء، بل إلى مزيد من المحبة وتآخي وتعاون ونصح، أما على الدنيا فهو سبب الأمراض المتتابعة التي أولها الحسد، والحسد المحرم هو تمني زوال النعمة (دينية أو دنيوية) سواء تمناها لنفسه، أو لم يتمنها بل تمنى مجرد زوالها، والحسد له أثر خفي ربما ضر المحسود بإذن الله الكون القدري لا الشرعي، قال تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق:5] . وإذا وجد الإنسان من نفسه شيئًا من ذلك فليبادر إلى أخذ الدواء الذي أرشدنا إليه القرآن كما سبق بيانه، وعليه أن يستعمل لسانه في الدعاء بالبركة لأخيه ويقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ويجاهد في نفسه أن يقولها قلبه مواطئًا للسانه وهذا إن شاء الله على سبيل النجاة، والله المستعان. وكما كان الحسد وما تفرع منه من العجب والكبر هو أول معصية عُصي الله بها في السماء من إبليس، وكان سببًا لكفره، كذلك كان هو أول معصية عُصي الله بها في الأرض، وسفك بها أول دم حرامًا ودخل منه الشيطان إلى بني الإنسان، حين حسد ابن آدم الأول أخاه على تقبل