فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 102

قالوا: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} الدنيا {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} الآخرة. ا. هـ باختصار يسير. وأكثر استعمال القرآن أن ما خلف العباد هو أمر الآخرة المستقبل، وأن ما بين أيديهم هو ما هم فيه الدنيا، قال تعالي: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} [إبراهيم: 16] ، وقال تعالي: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17] ، وقال: {مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا} [الجاثية:10] ، وهذا قول أكثر المفسرين من السلف، وهذه الآية الكريمة بين الله فيها كيد إبليس ومكره ببني آدم: في صدهم عن الخير، وإيقاعهم في الشر بكل طريق. فلابد أن يقاوم الإنسان هذا الكيد والمكر بالمرابطة في هذه الأمور الأربعة؛ حتى لا يأتيه الشيطان منها؛ فلابد أن يحذر من الاغترار بالدنيا والفرح بها، وعليه أن يلزم نفسه الزهد فيها بالنظر في مآلها وعاقبتها، وقلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها، وينظر إلي حقيقتها عند الله، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة؛ فكيف وهو لا يحصل منها إلا علي قطرة من بحرها؟!.وكذلك لابد أن يديم الفكر في أمر الآخرة والبعث، وأهوال القيامة، والجنة والنار، ويكثر تدبر آيات القرآن، وأحاديث النبي صلي الله عليه وسلم في وصف الآخرة؛ فإن ذلك من أعظم أسباب إرادة الآخرة، والإعراض عن الدنيا، وفشل كيد إبليس في ذلك. ولابد للإنسان كذلك من المداومة علي الطاعات، وعدم التواني والكسل عنها؛ فإن مجاهدة النفس في المحافظة عليها سبب لذوق حلاوتها، وأن تصير قرة عينه فيها بعد ذلك، وعليه أن يحذر من الشهوات المحرمة، وسائر المعاصي بالنظر في سوء عاقبتها في الدنيا والآخرة؛ فإذا حدث منه تفريط في ترك واجب، أو فعل محرم بادر إلي التوبة النصوح؛ ليصقل قلبه، ولا يصر علي معصيته؛ فتزداد النكت السوداء في قلبه، وعليه أن يديم مع ذلك كله مشاهدة نعم الله عليه: الظاهرة والباطنة، في دينه ودنياه، ونفسه وأهله وماله، ليعظم هذه النعم، ويشهد فضل الله فيها، مع عجزه عن عدها، والوقوف علي حدها، والعجز عن شكرها، فيعرف بقلبه النعمة، مع محبة المنعم وتعظيمه، والثناء عليه باللسان، وتصريف نعمته في طاعته، والقيام بتوحيده؛ فبهذا يسد علي إبليس سبل الدخول إليه بكيده ومكره، وتفشل خططه في إضلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت