فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 102

الناس تجده يبحث عن علة الأمر أو النهي، وربما سول له الشيطان من ذلك أمرا باطلا فيقول طالما حصلت المصلحة المقصودة من الأمر من غير أن أفعله فلا علي أن أفعله، وطالما تجنبت المفسدة التي تغضب الله حتى لو ارتكبت النهي فلا حرج علي في فعل النهي. كما قد يقول القائل أن العلة من إقامة حدود الشرع هو ردع الجناة والمعتدين عن جناياتهم، وطالما حققنا ذلك بأية عقوبة حتى لو لم تقم الحدود؛ فلا حرج في عدم إقامتها. ومثل ذلك من يقول أن الغرض من العبادات تهذيب النفس؛ فطالما هذبناها بغير العبادات فالعبادات وسيلة لا غاية؛ فلا حرج من تركها، ونحو ذلك من الشبهات الشيطانية الإبليسية التي يتوسل الشيطان بها إلي إضلال بني آدم؛ فالواجب علي العباد أن يمتثلوا أمر الله سبحانه: علموا حكمته، أو لم يعلموها، وطالما كان الأمر والنهي صريحا، فلا يجوز ترك الامتثال بناء علي توهم علل توجد، أو تفقد، بل نفس الأوامر والنواهي تتضمن المصالح التي لا تحصل إلا بامتثال الشرع، فلو كانت وسائل فإنها لا تحصل الغايات إلا بها. والحقيقة أن الامتثال والعبودية والطاعة غاية في كل أمر ونهي، قال تعالي: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:143] ؛ فالمؤمن يفعل الأمر من الله لأنه أمر، ويترك النهي لأنه نهي، وفي هذا تحقيق إيمانه وإسلامه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] .ومن هذه الحيل التي لجأ إليها الشيطان لإقناع الأبوين بالأكل من الشجرة مزج الحق بالباطل والحلف الكاذب، والقسم بالله عز وجل، وادعاء النصح لهما، قال تعالي: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] ، وذلك أن الإنسان قد فُطر علي كراهية الباطل، وعدم قبوله، ومخالفة أمر الله هو الباطل المكروه؛ فكيف تسوغه النفوس وتقبله إلا بشيء من الحق، فلابد من مزج الحق بالباطل حتى تمرر حلاوة بعض الحق مرارة الباطل وتسوغه، فالقسم تعظيم لله عز وجل وإجلال، وهذا من الحق الذي جبلت النفوس علي قبوله، بل وجاءت الشرائع بقبوله مالم يعارضه ما هو أقوي منه؛ كما إذا لم يعارض اليمين بينة وجب قبول يمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت