فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 102

المدعي عليه؛ كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: «ولكن اليمين علي المدعي عليه» [متفق عليه] ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: «رأي عيسي بن مريم رجلا يسرق فقال له عيسي: سرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسي: آمنت باللَّه، وكذبت نفسي» قال ذلك تعظيما للقسم، ولاحتمال أن يكون يأخذ حقا له، أو نحو ذلك والله أعلم، وأقسم إبليس بالله أنه من الناصحين لآدم وحواء، فكان هذا التعظيم الذي أظهره لاسم الله عز وجل هو الذي دلاهما به إلي الباطل المر الوبيء، وهو مخالفة الأمر، والأكل من الشجرة، وكذلك كانت طريقة إبليس دائما في إضلال بني آدم: فقوم نوح ما أشركوا إلا بمزج الحق الذي هو حب الصالحين بالباطل الذي هو الغلو فيهم، فالباطل الصرف كالسم الكريه الطعم والرائحة لابد أن يذاب وتُغطي كراهيته في الشراب الحلو فلابد من الحذر من مزج الحق بالباطل، وليس كل من ادعي النصح بناصح، وليس كل من جاء بشيء من الحق صادقا في كل ما يقول حتى يقبل منه كل ما معه: ألا تري أن الكهان يُصَدَّقون بواحدة، ولا يعتبر الناس بالمائة كذبة؛ ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إذا قضي اللَّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة علي صفوان ينفذهم ذلك: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] ؛ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ـ وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه ـ فيسمع الكلمة فيلقيها إلي من تحته، ثم يلقيها الآخر إلي من تحته حتى يلقيها علي لسان الساحر، أو الكاهن؛ فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة؛ فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فَيُصَدَّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» [متفق عليه] ، فتأمل أن كلمة من الحق والصدق ممزوجة بمئة كلمة من الباطل كانت وسيلة لقبول المئة، وهل قبل الناس الشرك في اليهودية والنصرانية المحرفة إلا بادعاء حب الأنبياء وإتباعهم صلوات الله وسلامه عليهم، ولولا هذا لما قبل أحد من الناس شيئا من الباطل، فالواجب الحذر من هذه الحيلة الشيطانية، وعرض كل أمر يأتي به كل أحد علي الكتاب والسنة: فما وافقهما قُبِل وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت