فهرس الكتاب
خالفهما رُدّ، ولا يكون مجيء شيء من الحق علي لسان أحد سببا لقبول كل ما يدعيه ولا يكون مجيء شيء من الباطل علي لسان أحد سببا لرد كل ما يأتي به، بل إذا جاء الكذوب بحق عندنا عليه برهان قبلناه منه، وإياك وكلمة الضلالة يلقيها الشيطان علي لسان الحكيم. وقد ذكر كثير من الناس في هذا الموضع الأثر المنقول عن ابن عمر: من خدعنا بالله انخدعنا له، وهو استدلال في غيره موضعه، واستشهاد علي عكس المقصود من القصة في القرآن، وذلك أن آدم عليه السلام لما خدعه الشيطان بالحلف الكاذب، وظن هو أن أحدًا لا يحلف بالله كاذبا، لم يكن مصيبا، ولا كان هذا بالعذر بالقبول، بل القرآن يحذر الناس من أن يفتنهم الشيطان كما أخرج الأبوين من الجنة؛ فلا يجوز أن نقبل الخدعة ممن يكذب في حلفه، أو ادعاء تعظيم الله عز وجل طالما كان عندنا ما يعارض حلفه وادعاءه، فلو أقسم المدعي عليه بالأيمان المغلظة بعد وجود البينة العادلة لم يقبل قسمه، ولا يجوز أن يُقضي له بيمينه في غير موضعه، بل يُحكم بالبينة التي لا معارض لها من مثلها، فمن ادعي كمال الإيمان، ويتكلم بلساننا، ويدعي أنه من جلدتنا، ثم هو في أقواله وأفعاله وأحواله علي قلب الشيطان، وقوله وفعله وحاله يعادي أهل الإيمان، ويحارب الحق، ويصد عن سبيل الله، لم يجز لنا أن ننخدع له، بل: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون:4] ، وإنما قال ابن عمر هذه المقولة لَمَّا كان يُعْتِق من أرقائه من يداوم علي الصلاة والقيام والعبادة، فكان بعضهم يفعل ذلك لأجل العتق، لا حرصا علي العبادة، فكان يعتقهم؛ فقيل له في ذلك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. فهذا الأثر لا يصح أن يذكر في تفسير الآية، ولا يستشهد به في هذا الموضع، بل هو موضع الحذر من أن ننخدع؛ فمن يحاول أن يخدعنا بالله ليصدنا عن شرعه وطاعته، حتى لو أقسم أنه من الناصحين، وأنه لا يريد إلا إحسانا وتوفيقا، وأنه لا يفسد في الأرض إنما هو من المصلحين لم نستجب له، وهل كان فرعون إلا مدعيا لنصح قومه، وهو يوردهم المهالك قائلًا: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] ؛ (1) .ولقد كان الحرص والأمل هما اللذان دخلت حيلة إبليس بسببهما على الأبوين، قال النبي صلي الله عليه وسلم: «يهرم ابن آدم ويبقي منه اثنتان الحرص والأمل» [متفق عليه] ، فالحرص: