فهرس الكتاب
صلي الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} أي: قرار وأعمار مضروبة إلي آجال معلومة، قد جري بها القلم، وأحصاها القدر، وسطرت في الكتاب الأول، وقال ابن عباس: {مُسْتَقَرٌّ} القبور، وعنه قال: {مُسْتَقَرٌّ} فوق الأرض وتحتها، رواهما ابن أبي حاتم. ا هـ. وقوله تعالي: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} كقوله تعالي: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] غير أنه تعالى جعل الأرض دارا لبني آدم مدة الحياة الدنيا؛ فيها محياهم، وفيها مماتهم وقبورهم، ومنها نشورهم ليوم القيامة، الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويجازي كلا بعمله. ما أحوجنا إلي تدبر هذه الآية حين نشهد أنواع الصراع بين البشر!! لنعلم أن حقيقته ومرجعه هو للعداوة بين آدم وإبليس، وأن إبليس قد جند من البشر جندا للإفساد في الأرض، والصد عن سبيل الله، وسفك الدماء بغير حق، وإذا أردت أن تعرف من ينتمي إلي أيٍ من الفريقين المختصمين فانظر إلي آثار كل منهم وأعمالهم تعرف حقيقة أسمائهم، ثم بعد أن يأخذوا دورهم في الصراع مدة حياتهم يرجعون إلي الأرض التي منها خلقوا؛ فيرحلون من ظاهرها إلي باطنها؛ ليأخذ غيرهم دورهم في الصراع والعداوة، منهم من يكون من جند الحق من أبناء أبيه آدم، ومنهم من يكون من جند إبليس وحزبه، ويرحل كل جيل إلي باطن الأرض، مؤمنهم وكافرهم، بَرّهم وفاجرهم، ينتظرون انتهاء حلقات الصراع كلها، ثم يخرجهم الله للثواب والعقاب، والحساب والجزاء، ومدة بقائهم في باطنها ـ في الأغلب ـ أطول بكثير من مده بقائهم علي ظهرها، ومع ذلك فأكثرهم في غفلة من الاستعداد لهذه المدة الطويلة، فضلا عما بعدها من الخلود الأبدي، إلا من أيقظه الله من سنة الغفلة وأحياه من موت الجهالة، وبصره من عمي القلب؛ فأدرك حقيقة القضية. وقارن مقارنة العقلاء بين مدة: {فِيهَا تَحْيَوْنَ} ومدة: {وَفِيهَا تَمُوتُونَ} وخلود ما بعد: {وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} ، فالعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمني علي الله الأماني. قال ابن القيم -رحمه الله-: «فأول منازل العبودية اليقظة: وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، والله ما أنفع هذه الروعة! وما أعظم قدرها، وما