فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 102

أشد إعانتها علي السلوك! فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح، وإلا فهو في سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر لله تعالى إلي السفر إلي منازله الأولى، وأوطانه التي سبي منها: فأخذ في أهبة السفر؛ فانتقل إلي منزلة (العزم) : وهو العقد الجازم علي المسير، ومفارقه كل قاطع ومعوق، ومرافقة كل معين وموصل، وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه، وبحسب قوة عزمه يكون استعداده، فإذا استيقظ أوجبت له اليقظة الفكرة، وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي قد استعد له مجملًا، ولما يهتد إلي تفصيله وطريق الوصول إليه فإذا صَحَّت فكرته أوجبت له البصيرة؛ فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد، والجنة والنار، وما أعد الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق، وقد نزلت ملائكة السماوات فأحاطت بهم، وقد جاء الله، وقد نصب كرسيه لفصل القضاء، وقد أشرقت الأرض بنوره، ووضع الكتاب، وجئ بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان، وتطايرت الصحف، واجتمعت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض، وأكوابه عن كثب، وكثر العطاش، وقل الوارد، ونصب الجسر للعبور، ولز (1) الناس إليه، وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه، والنار يحطم بعضها بعضا تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين؛ فينفتح في قلبه عين يري بها ذلك، ويقوم عليه شاهد من شواهد الآخرة ودوامها، والدنيا وسرعة انقضائها؛ فالبصيرة نور يقذفه الله في قلبه يري به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأي عين فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرر بمخالفتهم ا. هـ. قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 26، 27] .يذكر الله لبني آدم منته عليهم بما أنزل عليهم من اللباس الذي يواري عوراتهم، ويحفظ كرامتهم وإنسانيتهم، وميزهم به عن سائر الحيوان الذي لا يعرف للعورة معني، ولا يسعى إلي سترها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت