فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 102

والغرض المقصود لنا هنا ليس ذكر الحكايات الإسرائيلية، ولكن معرفة تفسير الآيات، والجمع بينهما؛ فالإنسان خلق من تراب الأرض، وكذلك خلق من الماء: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30] ، وذلك أن التراب بل بالماء فصار طينا لازبا أي لازقا بعضه ببعض وصار حمأ مسنونا أي طينا متغيرا منتنا والمسنون المنتن كما في قوله تعالى: {مَّاء غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15] أي: متغير. وقوله: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259] أي: لم يتغير ويتنتن وصار الطين اللازب كذلك صلصالا كالفخار؛ فهو يصلصل بصوت عند نقره وضربه لأنه أجوف، وهو أيضا يابس فالصلصال من حمإ مسنون، وذكر ابن كثير أن المسنون الأملس الصقيل، والأول أشهر وأولي، وإن كان لا تعارض؛ فالإنسان خلقه الله أملس، وبداية خلقه قبل نفخ الروح من الصلصال الذي هو من حمأ: أي طين مسنون: أي منتن متغير، وسبحان الله الذي جعل الروح هي التي إذا نفخت في الإنسان تغير تغيرًا عظيما، وصار خلقا آخر بعد أن كان طينًا منتنًا يصير في أحسن صورة وأكمل هيئة، وإذا نزعت منه وخرجت عاد إلي ما خلق منه، وأنتن، ثم صار ترابًا مرة أخري؛ فتبارك الله أحسن الخالقين. ووجود الجوف للإنسان جعله لا يتمالك عن شهواته، ولو تأملنا لوجدنا أن كل الشهوات: من الطعام والشراب والشهوة الجنسية مردها إلي جوف الإنسان، ودخول الشيطان في الإنسان له شواهد من السنة: منها قوله صلي الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم» ، ومن هنا يستطيع الوسوسة ومنها قوله صلي الله عليه وسلم: «إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» ومنها قوله في الاستنشاق عند القيام من النوم: «فإن الشيطان يبيت علي خيشومه» ، وقال مجاهد في الرجل لا يذكر الله عند جماع أهله: أن الشيطان ينطوي علي إحليله فيجامع معه. وقال تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 56] ، والشيطان مخلوق ناري، ولهب النار هو من غازات حارة جدًا، والسموم: هي الريح الحارة التي تدخل المسام؛ فلا عجب أن شيئا منها يمكن أن يدخل في الإنسان، ويجري في دمه كما هو معلوم عن كثير من الغازات التي تذوب في الدم، وتجري معه فلا ينبغي تأويل الأحاديث عن ظاهرها، ونحن إنما نذكر ما ذكرناه للتقريب، وأنه ليس بممتنع عقلا؛ أما الكيفية الحقيقية فالله أعلم بها، ولا فائدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت