فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 102

يقتضي حطًا من قدره ولا وضعًا لمنزلته، أو تحقيرا له، وأن خلق إبليس قبل آدم لم يقتض التكريم؛ فكبر السن، وسبق العبادة لا يلزم منه الأفضلية مطلقًا، ومع كل هذا البيان ظل إبليس علي جهله وظلمه، وإعجابه بنفسه وكبره، واعترض علي الله عز وجل، وأساء الظن بحكمته، ورأي أنه لا ينبغي أن يسجد لمخلوق من صلصال من حمأ مسنون، وترك كل أسباب التكريم، وغفل عنها فاستحق المقت من الله عز وجل. والروح التي نفخت في آدم ونسبت إلي الله تعالى: تشريفًا وتكريمًا {مِن رُّوحِي} هي روح مخلوقة بإجماع المسلمين؛ فأرواح بني آدم ليست صفة لله تعالى: ولا جزءًا من الله تعالي جعل في أجساد بني آدم كما يظنه طائفة من جهلة الزنادقة، بل {مِن} لابتداء الغاية، والإضافة للتشريف والتكريم للمخلوق المملوك إذ الروح عين قائمة بذاتها يمكن أن تحل في البدن، ويمكن أن تفارقه، ويمكن أن تتصل به كما في أحوال الحياة والموت والنوم، والمضاف إلي الله إذا كان عينا قائمة بذاتها، أو بغير الله عز وجل، امتنع أن يكون صفة له عز وجل إذ صفاته قائمة به سبحانه، هو المتصف بها لا غيره، وصفاته لا تحل في مخلوقات، وإنما ضل النصارى لما أوقعتهم الفلسفة الكافرة في اعتقاد حلول الصفات، أو تحولها إلي ذوات سموها الأقانيم، واختلط عليهم الأمر، وتناقضوا أعظم التناقض، وكثير منهم يعتقد أن الأرواح هي الله تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، وبعضهم يعتقد أن الأرواح صفة من صفاته حلت في الأجساد، وهذا كفر مستقل مثل كفرهم في شأن صفة الكلام، وأن الكلمة قد تجسدت وصار المسيح، وفي شأن الحياة وأن حياته قد انبثقت وصارت الروح القدس تعالي الله عن كفرهم علوًا كبيرًا، والمقصود أن الإضافة في قوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} من روحي هي للتكريم والتشريف، وأما كيفية النفخ فالقاعدة الذهبية في ذلك، التي عليها إجماع السلف أن الكيف مجهول، والمعني معلوم. وهذا الفعل من الله تعالى: «النفخ» مفهوم المعني، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة. وقوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي أتممت خلقه، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} : أي سجود تكريم وتحية لآدم، وهو عبادة لله عز وجل؛ كما سبق بيانه في سورة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت