فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 102

هناك من الرسل من ليسوا كذلك والله أعلم. والمقصود أنه ليس لهم من العزم ما عند أولي العزم، وهم عند الجمهور: محمد صلي الله عليه وسلم، ونوح، إبراهيم، وموسي، وعيسي عليهم الصلاة والسلام. هذا ولم يذكر الله سبحانه عن آدم بعد توبته إلا الهداية، ولم يذكر عنه بعدها ذنبًا؛ فمن تاب كذلك من ذنبه تاب الله عليه وهدى. وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} يذكر سبحانه تكريمه لآدم بأمر الملائكة بالسجود له وأنهم امتثلوا جميعا أمره سبحانه، وسجدوا إلا إبليس أبى وامتنع؛ تكبرًا وعلوًا: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} أي: فلا يسعى الشيطان في إخراجكما من الجنة فتتعب، ويصيبك العناء والشقاء في تحصيل الرزق، فالأرض محل للشقاء والكبد للإنسان؛ قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] ؛ فمن يطمع في الراحة والسعادة في الدنيا يطمع في الوهم والخيال، لابد لنا في هذه الأرض من التعب: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ} [النساء: 104] ، ولا يخفف من معاناتنا في الأرض إلا روح الرجاء: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104] ؛ رجاء لقاء الله ولذة الشوق إليه تذهب مرارة الشقاء، وحلاوة الإيمان هي التي يجد بها الإنسان السعادة، أما نعيم الدنيا من مطعم ومشرب ومنكح وملبس فمشوب بالنغص، ممزوج بالغصص، جعل الله الدنيا ناقصة لكي تطلب النفوس ما هو أعلي وأبقى: وهي التي لا يبغون عنها حولًا؛ لكي يطلبوا الرجوع إلي المنازل الأولي في الجنة، قال ابن كثير -رحمه الله-: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} أي: إياك أن يسعى في إخراجك منها فتتعب وتعني وتشقي في طلب رزقك فإنك هنا في عيش رغيد هنيء، بلا كلفة ولا مشقة. {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} إنما قرن بين الجوع والعري لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر. {وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} وهذا أيضًا من المتقابلات؛ فالظمأ حر الباطن، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت