فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 102

وقد سبق بيان أن هذا الاحتجاج من آدم بالقدر علي الذنب بعد التوبة الذي صار بمنزلة المصيبة احتجاج صحيح؛ أما من يحتج به علي ذنبه وهو مصر عليه فاحتجاج باطل بالقرآن والسنة وإجماع أهل السنة؛ فقد رد الله علي المشركين احتجاجهم بالقدر بقوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] .وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: «احرص علي ما ينفعك، واستعن باللَّه ولا تعجز» .وقال صلي الله عليه وسلم: «اعملوا؛ فكل ميسر لما خُلِقَ له» .وقوله تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} بيان لرحمة الله لآدم وزوجه باصطفائه آدم، وتوبته وهدايته، وهو الغفور الرحيم فعلِم آدم عاقبه المعصية، وعلِم كيف المخرج منها: بالاعتراف علي النفس بالظلم، وطلب المغفرة منه سبحانه، وصارت هذه القصة موعظة لجميع بنيه، وعبرة لهم في حياتهم علي وجه الأرض، ومن تاب منهم من معصيته كما تاب أبوه؛ فقد شابه أباه ومن شابه أباه فما ظلم. قال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} الخطاب في هذه الآية لآدم عليه السلام ومعه زوجه ومعهما ذريته، وإبليس وذريته، والعداوة قائمة إلي يوم القيامة بين الفريقين، وعلي أساس الدين؛ فكل صراع علي وجه هذه الأرض مرده في النهاية إلي عداوة إبليس وذريته لبني آدم؛ ليجتالوهم ويبعدوهم عن دينهم الذي فطرهم الله علي الميل إليه، وقبوله ومحبته، وأكثر الناس تركوا فريق أبيهم آدم ولحقوا بفريق إبليس؛ فصاروا مثله شياطين والعياذ بالله من حالهم ومن شرهم جميعًا إنسهم وجنهم، وقلة من ذرية الفريقين ظلت علي طريق أبيهم آدم: من التوبة والهداية، واستجابوا لدعوة الرسل الذين أتاهم هدي الله على ألسنتهم، قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} فالنور والسعادة حاصلة لمن اتبع هدي الله الذي جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مهما كانت الظلمات حولهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت