فهرس الكتاب
ومهما كانت حياتهم فيها من شظف العيش، أو نقص الملذات؛ فإن السعادة لا تحصل من الخارج، بل من داخل النفس الإنسانية؛ بحصول الهدى في القلب. قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. وأما من خالف أمر الله، وأعرض عما جاءت به الرسل من ذكر الله وشرائعه؛ {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} في الدنيا، وفي القبر. قال ابن كثير -رحمه الله-: أي ضنكًا في الدنيا؛ فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء؛ فإن قلبه مالم يخلص إلي اليقين والهدى؛ فهو في قلق وشك، فلا يزال في ريبه يتردد، فهذا من ضنك المعيشة. قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: الشقاء. وقال العوفي عن ابن عباس: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: كل ما أعطيته عبدًا من عبادي قلَّ أو أكثر ـ لا يتقيني فيه ـ فلا خير فيه؛ وهو الضنك في المعيشة. وقال أيضًا: إن قومًا ضلالًا أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكًا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفا لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله، والتكذيب؛ فإذا كان العبد يكذِّب بالله ويسيء الظن به، والثقة به، اشتدت عليه معيشته؛ فذلك الضنك. وقال الضحاك: هو العمل السيئ، والرزق الخبيث. وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار. وقال سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن أبي سلمة عن أبي سعيد في قوله: {مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ا. هـ. ثم ذكر رحمة الله عدة أحاديث ضعيفة في أن المعيشة الضنك ضمة القبر وعذابه، وبين أن الصحيح الموقوف لا المرفوع، عدا حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: «عذاب القبر» فقال: إسناده جيد. والصحيح أن الآية تعم الأمرين؛ فإن معيشة الكافر الفاجر علي ظهر الأرض في حياته وتحتها