فهرس الكتاب
وأعجب هذا الرأي الجميع إلا السيدة عائشة رضي الله عنها فقالوا لها: [لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا] {النساء:114} .
وأن ما تفعلينه بهذا الخروج، إنما هو إصلاح بين الناس، وليس منافيًا لقول الله تعالى: [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] {الأحزاب:33} .
ورفضت سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الخروج إلى البصرة إلا السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها، وعن أبيها فقررت الخروج مع السيدة عائشة رضي الله عنها إلى البصرة، إلا أن أخاها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال لها:
إن هذا زمن فتنة، وعليك أن تقرّي في بيتك، ولا تخرجي.
فلما خاطبتها السيدة عائشة في عدم خروجها إلى البصرة قالت لها إن أخاها- أي عبد الله بن عمر- قد منعها، فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها:
غفر الله له.
ويتضح من هذا الموقف مدى قناعة السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها بأمر الخروج للبصرة لدرجة أنها تَعُدّ أمر عبد الله بن عمر في منعه للسيدة حفصة رضي الله عنها من الخروج، تعدّ ذلك ذنبًا تستغفر اللهَ لعبد الله بن عمر منه.
كان موقف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هو اعتزال الفتنة من أولها إلى آخرها، وكان رضي الله عنه يصوّر الفتنة بأنها كغمامة جاءت على المسلمين، فلم يعد أحد يرى شيئًا، والكل يسير في طريق يريد أن يصلوا إلى الصواب، فاجتهد فريق منهم في الطريق، فوصل فهذا عليّ ومن معه، واجتهد آخرون لكي يصلوا، ولكنهم أخطأوا الطريق، فمعاوية ومن معه، والبعض انتظر حتى تنقشع الغمامة ثم يرى الرأي، وكان هو رضي الله عنه من هذه الفئة، ثم يقول رضي الله عنه: والمجاهد أفضل.