فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 242

أي أن بعض الأعراب من أهل البادية البعيدين عن العلم والفقه ظنوا أن القصر هذا في السفر، وفي الحضر، فبدءوا يقصرون في الحضر أيضًا، يقول عثمان رضي الله عنه:

فربما رأوني أقصر في الصلاة فيحتجون بي.

فقال عبد الرحمن بن عوف: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي والإسلام في الناس يومئذ قليل، وكان يصلّي هاهنا ركعتين، وكان أبو بكر يصلي هاهنا ركعتين، وكذلك عمر بن الخطاب، وصليت أنت ركعتين صدرًا من إمارتك.

فسكت عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم قال: إنما هو رأي رأيته.

ثم خرج عبد الرحمن بن عوف من عند عثمان بن عفان، فالتقى مع عبد الله بن مسعود، فخاطبه في ذلك، وأخبره بما دار بينه، وبين عثمان رضي الله عنه، فقال عبد الله بن مسعود:

لقد صليت بأصحابي اثنتين، ثم علمت أنه صلّى بأصحابه أربعًا، فصليت أربعًا فالخلاف شرٌّ.

فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلى أربعًا، فصليت بأصحابي ركعتين، أما الآن فسوف يكون الذي تقول.

أي أن عبد الرحمن سيصلّي أربعًا حتى لا يكون هناك خلاف بينهم، وفي الحقيقة هذا الأمر فيه فقه عظيم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فمع اقتناع عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما برأيهما في قصر الصلاة، إلا أنهم قالوا: الخلاف شر.

وهذا على عكس ما يردده بعض الناس: اختلاف أمتي رحمة.

ويزعمون أنه حديث، وهو قول لا أصل له، بل هو قول فاسد، فإن الخلاف شر، وليس برحمة، ويقول الفقهاء في مسألة القصر هذه، قال الشافعية والحنابلة: إن القصر والإتمام جائز، وإن كان القصر أفضل.

وقال المالكية: إن القصر سنة مؤكدة. وقالوا أيضًا: إن القصر في السفر آكد من سنة صلاة الجماعة.

ويترتب على هذا أنه لو كنت مسافرًا، ووجدت جماعة يصلون فالأفضل أن تصلي منفردًا قصرًا، ولا تصلّي جماعة مع المقيم، إلا إذا وجدت مسافرًا معك يصلي فاقتدِ به، ويصلي كل منكما ركعتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت