قلت أين النوم، الأمر أعظم من النوم، القضية مفترق طريق، ولا بد أن أتخذ قرارًا سريعًا، فسألت الله عز وجل أن يعينني، فإذا بي أشم رائحة التوبة، وأذوق طعمها، وإذا بقلبي يخضع لوابل الرحمة فتتفجر منه أنهار الأيمان (وإنَّ من الحجارة لما يتفجَّر منه الأنهار) ، فشعرت كأنني أولد من جديد.
ثم خرجت إلى المسجد، وكنت أول الداخلين من المصلين بعد المؤذن، فصليت سنة الفجر، وتناولت المصحف، وشرعت أتلوا آياته، وأتأملها، فإذا بها تخاطبني، وتواسيني، وتزيل عني هموم الذنوب والخطايا، بسعة رحمة رب البرايا ..
فما زلت كذلك، فإذا بيد تمتد نحوي لتصافحني، فمددت يدي، ونظرت إلى صاحبها، فإذا به والدي رحمه الله رحمةً واسعة، وكان كل شيء يتوقعه مني، إلا أن يجدني في المسجد ..
فنظر إليَّ نظرةً لا تغيب عني أبدًا، نظرة لا أستطيع وصفها، بها كل الأحاسيس والمشاعر مختلطة، احتضَنتْها عبرةٌ جاشت في فؤاده رحمه الله، فارتمت على آثارها المدامع فوق خدَّيه، وكأن لسان حاله يقول:
سبحان من فتق القلوب أنارها *** بمحاسن التقوى جلى أبصارها