أما هذا العطاء البشري الذي يقدمه فرويد وسارتر فإنه لا يحقق السعادة ولا الأمن النفسي ولكنه يحقق القلق والتمزق والضياع والغثيان، ذلك لأنه يفصل الإنسان عن نفسه، ويمزق وجوده، ويقضي على تكامله، ويعلي من شأن جانب فيه على حساب جانب آخر، وذلك هو خطر المادية وأهوائها: وهو الطابع الصريح الواضح الآن للأدب الوجودي عامة، هذا الإحساس بالخوف المتمثل في أن الإنسان وحده في هذه الدنيا، وذلك الخوف من الموت، وتلك المشاعر القلقة المضطربة، إنما مصدرها الحقيقي هو انفصال الشخصية، وإنكار الإيمان بالله، ذلك أن الإنسان في تكوين ذاته نفس وجسد وعقل وقلب ومادة وروح، فإذا جاءت الفلسفات المادية لتقول أن الإنسان نفس وعقل ومادة فقد شطرت الإنسان وأعلت منه جانبًا وتجاهلت الجانب الآخر، هذا الجانب لا يموت ولكنه يظل يرسل أحاسيسه ويملأ صاحبه غمًا وقلقًا واضطرابًا، لأنه جانب موجود وله حق الحياة وتلك هي أزمة الحضارة والإنسان المعاصر. أما المسلم فإن موقفه من ذلك يختلف تمامًا، فالمسلم يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى خلقه من طين ثم نفخ فيه من روحه فهو متكامل التشكل: مادة وروحًا، لا سبيل إلى إعلاء جانب منه على الآخر، بل هو في الحقيقة حين يؤمن ينتقل من المادة إلى الروح فيكون قادرًا على البذل والعطاء، وتلك هي قدرته على التسامي من الفردية إلى الغيرية، ولكنه في مفهوم الإسلام أيضًا له حق الحياة والمتاع بها دون انفصال عنها أو عزلة عن المجتمع، فهو متكامل جامع، وهو في فهمه للحياة وتحركه فيها أنما يجمع دائمًا بين الزمني والروحي والمطلق والنسبي، واللانهائي والمحدود، يجمع بين معطيات الدنيا وخلود الآخرة.
تلك مقدمات يسيرة بين يدي تساؤلات الشباب في مواجهة الفكر البشري من فلسفات ومفاهيم.