وذلك لأن هذه الأمم قد قبلت مبدأ التغير الدائم، التحول المستمر، ففقدت قاعدتها الأصيلة، ومحورها الذي تدور في فلكه، وبذلك ذهبت بعيدًا في"تيه"من العسير استعادتها منه.
ولا ريب أن النظرة الإسلامية الجامعة (وهي نظرة ربانية) هي أقرب ما تكون إلى سلامة القصد، وأكثر ما تكون قوة على حماية البناء الاجتماعي كله من أن يتبدد أو ينهار أو تتدافعه الرياح الهوج.
والمسلمون يؤمنون بالتقاء الأجيال وتكامل الأجيال ولا يؤمنون بصراع الأجيال. وهم يفرقون بين فريضة تقديم التجربة الكاملة من أهل جيل سابق إلى جيل جديد، وبين ما يوصف بأنه"وصاية"على الأجيال الجديدة.
ذلك أن من حق الأجيال الجديدة على الأجيال السابقة: أمرين:
أمانة التجربة والالتزام بإضاءة الطريق أمام النشئ النامي حتى يستطيع أن يمتلك إرادته، لفت نظره إلى ما في الطريق من عقبات، أما الجيل الجديد فمن قه أن يقبل التجربة القديمة أو ينقدها، ولكنه لابد أن يبني على نفس الأساس وإن كان من شأنه أن يجدد أو يغير في الفروع والجزئيات. أما جوهر البناء فهو ملتزم به لأنه ليس ميراثًا عن الآباء فحسب، ولكنه لأنه إلى ذلك قائم على دعامة منهج أصيل متميز، رباني غير وضعي ولا بشري، ويجب أن لا يدفعنا أي دافع إلى التضحية بهذا الأساس إزاء وهم أو بريق خادع من شأنه أن يخرجنا عن الإطار والضوابط والحدود التي رسمها لنا الإسلام.
ويقضي تكوين الأجيال أن تتوازى فيه عوامل ثلاثة:
قدر من الإيمان، وقدر من الثقافة، وقدر من التجربة.
1-فالإيمان هو العامل الأول الذي يضيء القلب ويكشف عن المهمة الحقيقية للإنسان في الأرض، لماذا جاء؟ وما هي أمانته؟ ورسالته وغايته ومسؤوليته. هذا القدر من الإيمان لا يعطيه إلا الدين الحق، والقرآن هو العامل الأول في بناء العقيدة وكشف الوجهة وتزكية النفس والقلب.