فهرس الكتاب
فبعد شدّ الوثاق، تُتَوَقَّع عاقبة، وقد أبانتها الآية تفصيلًا، إذ قالت: [فإما... وإما...] وهكذا جاء المصدر مفصِّلًا لمجملٍ قبله، ومبينًا لعاقبته ونتيجته، وما كان ذلك ليتحقق لولا حذف الفعل. فهاهنا مصدران منصوبان [منًّا وفداءً] حُذِف فعلاهما فأدّى حذفهما إلى معنى التفصيل وبيان العاقبة. ولو ذُكِرا فقيل: [فإما أن تمنوا منًّا وإما أن تفادوا فداءً] ، لكان الذي يتحصل هو التوكيد.
· قال الشاعر (الجنى الداني /531) :
وقد شفَّني ألاّ يزال يروعني خيالُكِ: إمّا طارقًا، أو مغادِيا
أوردنا هذا البيت شاهدًا لصحة قول من يقول: [إمّا... أو...] ، كما يصحّ قوله: [إمّا... وإمّا...] ، فكلا التركيبين وارد وصحيح.
· قال قَطَريّ ابن الفجاءة (أوضح المسالك 2/39) :
فصبرًا في مجال الموت صبرًا فما نَيْلُ الخُلودِ بمستطاعِ
[صبرًا] : مصدر منصوب، ناب عن فعله المحذوف، والفعل هنا لا يُحذَف إلاّ لتحقيق معنى، لم يكن لينشأ لولا الحذف. وبيان ذلك، أنْ لو قيل: [اصبر صبرًا] لكان المعنى المراد هو التوكيد. لكن لما حُذف الفعل فقال الشاعر: [صبرًا] ، عُرِف أنه أراد إلى الأمر بالصبر.
· ]واللهُ أنبتكم من الأرض نباتًا[ (نوح71 /17)
يلاحظ في الآية أنّ الفعل هو [أنبت - يُنبت] ومصدره قياسًا، هو [إنبات] . ولكن المصدر الذي ورد في الآية هو: [نبات] لا [إنبات] . فدلّ ذلك على أنّ جَذْر المادة، هو ما يُنظر إليه في المفعول المطلق، لا وزن المصدر وقياسيته. وقل مثل ذلك في [سلّم سلامًا وتسليمًا] فكلا المصدرين مفعول مطلق، وقل الشيء نفسه في قول القائل: [توضّأ توضُّؤًا ووضوءًا] ، فكلا المصدرين هنا أيضًا مفعول مطلق.
ومن هذا قوله تعالى: ]وتبتّل إليه تبتيلًا [ (المزّمل 73/8) فالمفعول المطلق الوارد هنا في الآية هو:[تبتيل] ، والتبتيل ليس مصدرًا لـ [تبتّل] ، بل مصدر تبتّل هو [تبتُّلٌ] .