فهرس الكتاب
البيت بعد حلِّه يصير إلى: (( إذا ضقتُ ذرعًا، فلست بضارعٍ(لست بمتذلّل) ، ولا يائسٍ من يُسرٍ عند التعسّر )). والذي نريده من البيت هو [ذرعًا أضيق] ، فإنّ الأصل تأخير التمييز، فيقال: [أضيق ذرعًا] . غير أنّ الشاعر قدّمه فقال: [ذرعًا أضيق] ، وقد كررنا القول: إنّ ذلك جائز.
· ]قُلْ لو كان البحرُ مدادًا لكلمات ربي لنفِدَ البحرُ قبل أنْ تنفَدَ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا[ (الكهف 18/109)
تعبِّر كتب الصناعة عن مجيء كلمة [مثل] وكلمة [غير] مبهمتين في الكلام، بقولها: [ما دلَّ على مماثلة، وما دلّ على مغايرة] . فأما المماثلة فمنها ما نحن بصدده، وهو قوله تعالى: [جئنا بمثله مددًا] ، وذلك أنّ كلمة [مِثل] يعتريها الإبهام، فإذا سمعك امرؤ تقول: [خالدٌ مثل الجبل] لم يدرِ أهو مثله في التَوَطُّد أم الثبات أم الارتفاع إلخ... حتى إذا أتيتَ بالتمييز فقلتَ: [مثل الجبل ثباتًا] ، ارتفع الإبهام واتّضح القصد.
وقُل الشيءَ نفسه في الآية. فإنّ المرء لا يدري أمماثلةُ البحر هنا بالكميّة، أم بسهولة الاستمداد، أم بالاتّساع؟ فلما قيل: [مددًا] ، ارتفع الإبهام واتّضح القصد.
وكذلك الشأن - طِبقًا - في استعمال [غير] . تقول مثلًا لمن تحدّثه: [عندي خيلٌ وغير ذلك] ، فلا يدري ما الذي عندك غير الخيل، حتى إذا أتيت بالتمييز فقلت: [وغير ذلك غَنَمًا] ارتفع الإبهام واتّضح القصد.
· قال جرير (الديوان /89) :
ألستم خيرَ مَن ركب المطايا وأندى العالمين بطونَ راحِ
قول الشاعر: [ألستم....أندى العالمين] - من الوجهة الصناعية - كلامٌ تامّ، غير أنّ الإبهام يعتريه، إذ لا يُعرَف بمَ كانوا أندى العالمين، أَهُمْ أنداهم نباتًا (مِن نَدِيَ النبات إذا أصابه الندى) ؟ أم هم أنداهم صوتًا، (مِن نَدِيَ الصوتُ إذا علا وامتدّ) ؟ حتى إذا أتى الشاعر بالتمييز فقال: [بطونَ راح] ارتفع الإبهام وتبيّن أنّ الشاعر أراد: ألستم أندى الناس كفًّا؟ (مِن النَدى، أي: الكَرَم) .