ويسنّ كفّه عن المكروه وفضول المباح
أقول: اعلم أرشدنا الله وإياك للطاعة والهدى أنني بدأت بهذه القاعدة لأنها أم الباب فإن الأحكام على الآخرين إنما مصدرها اللسان فلابد من ضبطه وإحكامه ، وهذه القاعدة هي القاعدة فيه وهو أنه يجب وجوب عين كفه عن الكلام إذا كان من قبيل الحرام ، والحكم على الآخرين نوع من الكلام في أعراضهم فإذا لم يكن بعلم وبرهان فإنه يكون حرامًا فيجب حينئذٍ كف اللسان عن ذلك واعلم أن هذه الجارحة عظيمة الخطر إذا لم تضبط بميزان الشريعة ولذلك عظم جزاء من حفظها لما في الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( من يضمن لي ما بين فكيه وما بين فخذيه أضمن له الجنة ) فدل ذلك على أن أعظم ما ابتلي به العبد لسانه وفرجه ، وإن كلمة من هذا اللسان قد يجعلها الله تعالى سببًا لرضاه أو سخطه إلى يوم القيامة كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يعلم مبلغها يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يعلم مبلغها يهوي بها في النار سبعين خريفًا ) وفي لفظ ( أبعد ما بين المشرق والمغرب ) ويكفيك لبيان خطر المنطق أن الله تعالى قد وكل ملائكة بالعبد يكتبون عليه منطقه، قال تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيْبٌ عَتِيْد } فقول: { مَا يَلْفِظُ } نفي، وقوله: { مِنْ قَوْلٍ } نكرة وقد تقرر في القواعد أن النكرة في سياق النفي تعم فيدخل في ذلك كل قول بلا استثناء وحصائد اللسان من أكثر ما يدخل الناس النار كما في السنن من حديث معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) وفي الحديث ( إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول: إنما نحن بك إن استقمت استقمنا