فهرس الكتاب
من أسباب الخلاف: أن يكون المخالف لا يعلم الدليل أي أن الدليل لم يصل إليه ، فقال بقول خالف فيه هذا الدليل وسبب خلافه هذا عدم بلوغ الدليل إليه وهذا متصور كثيرا فإن المجتهد ليس شمسا مشرقة على كل النصوص فقد يخفى عليه الكثير والكثير من النصوص ، ومن الذي استوعب السنة وأحاط بها ؟ بل إن عدم بلوغ الدليل قد حصل لبعض الصحابة مع قرب العهد واجتماع الكلمة فكيف بمن بعدهم ، وهذا السبب داخل تحت العذر بالجهل وقد تقدمت أدلة كثيرة تثبت أن الجهل من جملة الأعذار الشرعية وذلك بشرطه المعروف فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه وقد كان سادة الصحابة بالحبشة وتنزل الواجبات والتحريم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يبلغهم إلا بعد أشهر فهم في تلك الأشهر معذورون بجهلهم ، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة من أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر شيء من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولذلك فقد اختلف الصحابة من المهاجرين والأنصار في الرجل إذا جامع فأكسل فقال الأنصاريون لا يجب الغسل إلا من الدفق بلذه ، وقال المهاجرون بل إذا جامع فقد وجب الغسل وإن لم ينزل فقال أبو موسى فأذن له فقال فأنا أشفيكم من ذلك فاستأذن على عائشة فأذن له فقال: يا أماه إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك فقالت: لا تستحي أن تسألني عن شيء كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك فإنما أنا أمك فقال: الرجل يجامع فيكسل أعليه الغسل ؟ فقالت: على الخبير سقطت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ( إذا جلس بين شعبها الأربع ومسّ الختان فقد وجب الغسل ) والحديث في الصحيح ، فسبب خلاف المهاجرين مع الأنصار كان لعدم بلوغ الدليل ، ومثال ذلك أيضا: أن الصحابة في عهد خلافة عمر اختلفوا في مسيرهم إلى الشام لما سمعوا أن الطاعون نزل بأهلها ، فقال قوم: نسير ولن