فهرس الكتاب
ومن الأسباب أيضا: الاختلاف في بعض القواعد التي بني عليها المذهب فإن أصحاب المذاهب الكبار قد قرروا قواعد واعتمدوها في استخراج الأحكام من الأدلة فقد يختلف الحكم للاختلاف في القاعدة . ومثال ذلك: خلافهم في نقض الوضوء بمس الذكر فالجمهور قالوا ينقض والأحناف قالوا لا ينتقض ، وسبب خلافهم هو أن الحنفية لا يقبلون خبرا الآحاد فيما تعم به البلوى ، وأما الجمهور فالمهم عندهم صحة الحديث فقط ، فاختلف الحكم للاختلاف في القاعدة ، ومثال آخر: قال الجمهور باشتراط الولي لصحة النكاح وقال الأحناف هو شرط كمال لا شرط صحة وسبب خلافهم هو القاعدة المتقدمة ، وأيضا لقاعدة أخرى وهي أن الأفعال المنفية بـ ( لا ) النافية للجنس هي لنفي الكمال عند الحنفية وأما الجمهور فإنها لنفي الحقيقة الشرعية عندهم فقوله ( لا نكاح إلا بولي ) هو لنفي الكمال عند الأحناف ولنفي الصحة عند الجمهور ولا شك أن الصحيح قول الجمهور فانظر كيف اختلفوا في هذا الفرع للاختلاف في القاعدة . ومثال آخر: ذهب الشافعية إلى أن الحج واجب على التراخي وقال كثير من العلماء بل هو على الفور وسبب خلافهم هو خلافهم في قاعدة: هل الأمر المجرد عن القرينة يفيد الفور أم التراخي فالذين قالوا على الفور قالوا إنه يفيد الفورية والذين قالوا: على التراخي قالوا إنه يفيد التراخي والأمثلة كثيرة وتجد الكثير منها في كتابي تحرير القواعد ومجمع الفرائد والله أعلم .
وخلاصة ما أريد إثباته هنا هو أن المخالف لنا في شيء ينبغي لنا أولا قبل إصدار الحكم عليه أن نطلب له العذر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا وهذا أمر ممكن لا عسر فيه إلا على من استحوذ الشيطان عليه ، ممن نسي حق إخوانه وعظيم الخطر في الحكم على الغير ، اسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يعافينا وإخواننا من زلل القول وخلل الفهم وهو أعلى وأعلم .
(( القاعدة الحادية عشر ) )
الحكم على الآخرين وقف على العلماء الراسخين