فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 29

هذا الجسد الجميل البض المكتنز مذهل حد الجنون، هذا العري الفاتن الساحر لذيذ حد الموت، هذه الطراوة والحلاوة هذه اللدونة والميوعة تفتك بي فتكًا، هذا الغنج وهذا الدلال يصرعانني، هذا الإشراق والبهاء اللذان يوحي بهما الجسد العاجي المتمايل يمينًا وشمالًا يسحرانني، أنا منتش حد الثمالة، والشهوة تكاد تطيح بي وهي تلوي الخصر وتهز العجيزة هزًا، تلاعب نهديها وتومئ بيديها وترفع ساقًا وتنزل ساقًا، تهز وتدور وتنثني وتنحني وتلامس الأرض وتفرج فخذيها فتكهرب كل خلاياي، وأغص بشبقي فأسعى إلى قنينة الخمرة وأحتسي نخب ذات الجسد الرخام.

-ارقصي..

وترقص رقصًا باهرًا وأراقصها وأرشق جسدها بالشراب وأرتشفه وألعق بقاياه وألثم لحمها وأعضه وأضمها بين ذراعي وأعصرها وأهصرها فتتأوه وأتأوه وتتأجج الرغبة في جسدينا وتفور وتزبد... وتصيح بي:

-ألا أعجبك؟

-بل تعجبين حتى القديسين، لكنني..

-لكنك ماذا؟

-ثمة، ثمة، ثمة شظية..

حينذاك لململت ثيابها وارتدتها على عجل وتركت كومة من الأوراق النقدية على الطاولة وخرجت، وبقيت رائحتها، رائحة الأنثى منتشرة في الغرفة تصيبني بالدوار.

الماضي

بعد ثلاثين عامًا عاد.

عاد إلى الماضي الذي خلفه وراءه.

الشوارع غير الشوارع، البيوت غير البيوت، الناس غير الناس حتى الأشجار والحدائق والساحات والمحال أخذت أشكالًا أخرى لم يألفها.

الماضي أين الماضي؟ صباه وشبابه وذكرياته؟

بحث عن شيء يدله، عن بصيص، عن كوة، عن خيط يشده إلى هناك الذي هو هنا، الزمن الغابر والعابر الذي ولى ولن يعود.

أي حنين جارف هذا؟

وجد نفسه في عزلة رهيبة وثمة حزن قاتم يغلف روحه ثمة عبرات تخنقه، ثمة قطرات ساخنة تبلل جفنيه.

لم يشعر بالوحدة والضياع مثلما يشعر الآن.

قادته خطواته البطيئة إلى هناك حيث البيت الآيل للسقوط والباب الخشبي العتيق، الباب ذات الباب والبيت بطرازه العثماني ما زال محافظًا على رونقه.

ها هو القلب يخفق، قلبه، ها هو الجسد المتعب ينز عرقًا، جسده، ها هي اليد ترتعش، يده، وهي تطرق الباب بوجل طرقة، طرقتين ثلاث طرقات... (من بالباب؟) ... يأتيه الصوت من هوة سحيقة من أعماق الماضي الذي تماثل بصوتها الرخيم، الماضي بقضه وقضيضه، يهزه يباغته، يطل عليه عبر وجهها الذي نحت عليه الدهر غضونه، أصم، أبكم، أعمى هو الآن.

الماضي يسطو عليه ويجرده من كل شيء.

أنت...؟

تقدم خطوتين نحوها ثم لبث واقفًا كتمثال، هزته بلهفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت