فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 29

... في ذلك اليوم المشؤوم، ما إن أدرت مفتاح التشغيل ووضعت قدمي على عتلة الانطلاق حتى راحت سيارتي الهرمة ذات السرعة السلحفاتية تعدو بسرعة جنونية خاطفة، مما اضطررت لرفع قدمي عن العتلة إلا أنها ازدادت سرعة، ضغطت بقوة على عتلة الإيقاف لكن ذلك لم يجد نفعًا، كانت تسير بقوة سحرية فأيقنت أن هذه السيارة لا يمكن أن تتوقف فحاولت أن أتحاشى الاصطدام، لكنني فوجئت أن يديَّ كانتا طليقتين بعيدًا عن المقود، إذ أنها"سيارتي"كانت تتجنب، تلقائيًا، السيارات والأشجار والحواجز.

وشيئًا فشيئًا رأيتها ترتفع بي عن الأرض وتحلق نحو الفضاء، وصرت أرى الناس والعمارات والشوارع تضمحل كلما كانت تعلو، فرحت أردد مع نفسي بأسى:"وداعًا زوجتي وأطفالي وأصدقائي... وداعًا"

أيتها الأرض..."."

ومنذ ذلك اليوم وأنا هنا من على سطح المريخ أتأمل كوكبي الجميل الأرض وأبكي.

عصافير

الرجل البدين لا يأكل إلا العصافير يستيقظ صباحًا مع سقسقاتها الصاخبة، ينصب شراكه ويصطاد العشرات منها يسلخ جلودها الرقيقة ويرمي أحشاءها ليملحها ويشويها ويلتهمها بنهم وتلذذ، أمام زوجته التي ترقبه بنفور وتقزز وهي تتوسله دائمًا أن يكف عن أكل العصافير الصغيرة البريئة، بيد أنه مغرم بلحومها الطرية الشهية ولا يستغني عنها حتى في الوجبات الأخرى، وكل ليلة حين كان الرجل البدين ينام باسترخاء كانت الزوجة تسمع مع شخيره المتواصل سقسقات العصافير داخل كرشه المنتفخ كالبالون، سقسقات تؤرقها ولا تجعلها تنام.

ومرة حين كان يغط في نوم عميق بعد أن التهم أكبر عدد من العصافير، وجدت كرشه وقد ازداد انتفاخًا وهو يرتج صعودًا ونزولًا مع ضجيج السقسقات الصاخب، أحضرت شفرة حادة وبقرت الكرش المصطخب بكل هدوء، حينذاك طار سرب من العصافير ورأت نفسها ترفرف وتحلق عاليًا مع العصافير.

قيامة الغبار

غبار، غبار، غبار، غبار،

غبار، غبار، غبار ناعم، غبار خفيف،

غبار كثيف، غبار علا الأشجار، غبار على الناس، غبار كنثيث الوفر ينهمر وينهمر وينهمر ويكسي الوجوه والأسطح والواجهات، غبار يغشي العيون، غبار يداهم الأنوف، غبار يحشو الأفواه، غبار فوق غبار فوق غبار يتراكم ويتراكم ويعلو ويزحف على الأشياء، غبار خانق عاتٍ صاعق جارف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت