فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 29

العصافير سقطت ميتة، القطط والأرانب والدواجن والكلاب هلكت، حتى الضفادع والأسماك اختنقت في المياه التي غطاها الغبار، البيوت والأشجار والسيارات آلاف المدن اختفت تحت كثبان الغبار، الأطفال أول الضحايا ثم الشيوخ والعجائز والعاجزون ابتلعهم الغبار، فيما راح الآخرون ينجون بأنفسهم يعتلون الأماكن المرتفعة والبنايات العالية، إلا أن سيلًا من الغبار كان يتبعهم، يهطل عليهم هطلًا ويصعد إلى هاماتهم ويطمرهم إلى الأبد.

الرجل المقفل

ولما كان ينسى كثيرًا.. لذا كان يفقد أشياءه الثمينة بين حين وآخر، ولكي يعالج الموقف، اشترى قفلًا صغيرًا وسلسلة لنظاراته الطبية ثم لقداحته ثم لقلمه، ثم لمحفظة نقوده.. تأكد أن الأقفال تحافظ على الأشياء من الضياع والفقدان والسرقة، ولما كان ضجرًا من الضجيج والضوضاء لذا اشترى قفلًا لولبيًا أنيقًا وقفل أذنيه، وتبعه بقفل آخر لمنخريه كي لا يشم الروائح العفنة الكريهة، ولكي يتحاشى الثرثرة وزلة اللسان اشترى قفلًا ذهبيًا وقفل فمه، اشترى أقفالًا وأقفالًا، لليدين والقدمين للقلب والمخرج، لحذائه وبنطاله وقميصه لكل شيء قفل ومفتاح.. ولما كان ينسى كثيرًا، فقد في غفلة من الزمن مفاتيحه الأثيرة وبات مقفلًا إلى الأبد.

حصار

لا.. لا تحاول بعد الآن، تنح جانبًا وابك وأنت تكرع كأسك الأخيرة فالأبواب موصدة والمنافذ، الممرات، المسالك، الطرق الجانبية، كلها مقفلة في وجهك مثل زنزانة أو جحيم، حتى الفضاء يبدو محاطًا بأسيجة لامرئية.

لا لن تجد كوة أو ثغرة أو ثقبًا لتنفذ من خلاله فالجدران الكونكريتية قائمة بينك وبين ظلك، والرجال الآليون بعيونهم المكرسكوبية وأنوفهم الكلبية يتبعونك ويترصدونك، تقهقر، لا تعاود، لا تستطلع فالجهات واحدة حيثما تدور والصدى رنين يتكلس"لا خلاص".

لا خلاص من هذه المدينة الدائرية اللعينة وأناسها المشوهين ما دام الخوف يعشش في روحك، ما إن تضع قدمًا صوب الضفة الأخرى يصيح بك صوت من الداخل، من داخلك أنت:

-قف لا تتحرك.

صورة طبق الأصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت