فهرس الكتاب
دخلت الحمام على عجلة من أمري، وخلعت ثيابي وفتحت صنبور الماء فراح"الدش"ينث الماء على جسدي... شيئًا فشيئًا بدأ جلدي ينكمش، وبعد هنيهة راح يتبعج بفعل الماء ثم يتشقق ويتمزق، ووجدتني أرى أحشائي الداخلية، الأمعاء والقلب والرئتين والكليتين، وهذه بدورها أصابها البلل وبدأت تتضاءل وتتلاشى لو لم أسعف نفسي بالخروج مسرعًا من الحمام وتنشيف جسدي، وتجفيفه بالحرارة لأنني نسيت تمامًا حقيقة أنني من كارتون وورق.
لكنها بعيدة
ها أنا الآن في صالة المطار، أشعر بسلام نفسي لم أشعر به من قبل، أشعر بأنني كائن حر لي كامل الإرادة في أن أفعل ما أشاء، حقًا لا أحد يدرك طمأنينة السلام إلا أولئك الذين خاضوا غمار الحروب واكتووا بأتونها، لا أحد يعرف جيدًا نكهة الحرية إلا الذين حرموا منها طويلًا، أجل لقد ولى زمن المحنة، وأطل زمن الانفراج، وداعًا أيتها الحروب، وداعًا أيها الحصار وداعًا وحش الحرمان وأهلًا بحبوحة الحياة.
الآن وأنا على وشك السفر يغمرني إحساس بالنشوة إحساس بالغبطة والفرح، فرح خفي طاغ يملأ كياني ويصوغ كينونتي، فأجد الحياة جميلة وجديرة بأن تعاش وتستغل لحظة إثر لحظة بالرغم من قساوتها وجفافها وجفائها أحيانًا بل أكثر الأحيان.